يترقب تاجر الخردة المصري أحمد حامد، الذي يعمل في منطقة السبتية، أحد أبرز مخازن الخردة في وسط القاهرة، مستقبلا أفضل لتدوير النفايات الإلكترونية في مصر. وأضاف رجل الأعمال المصري أحمد سالم، رئيس لجنة تدوير المخلفات الإلكترونية في اتحاد الصناعات المصرية وصاحب مصنع متخصص في الضاحية الصناعية بمدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، أن هناك جهودا حكومية لإعداد استراتيجية لاستخراج المعادن، خاصة منها المعادن النادرة أو الحرجة.
وأوضح مراقبون تحدثوا للجزيرة نت أن تدوير المخلفات الإلكترونية والبطاريات المستعملة، أو ما يعرف بـ "الاقتصاد الدائري"، يمثل "كنز غير مستغل" لاستخراج هذه المعادن، إذ لا يتم استرداد سوى نسبة محدودة منها، خاصة في ظل هيمنة القطاع غير الرسمي عليها وغياب التكنولوجيا في هذا القطاع.
وكشف وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي خلال مشاركته في منتدى المعادن الحرجة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في إسطنبول، أن مصر تستعد لبدء تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي الشامل للمعادن، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1984.
لكن بعيدا عن باطن الأرض، يبرز مصدر آخر لا يقل أهمية وهو المخلفات الإلكترونية. ورغم غياب بيانات دقيقة حول حجم المعادن القابلة للاستخراج منها في مصر، تشير إحصائيات دولية صادرة عن منظمة "غلوبال إي-ويست مونيتور" إلى أن مصر تنتج ما بين 646 و690 ألف طن سنويا من هذه المخلفات.
وتضم المخلفات الإلكترونية نسبا متفاوتة من المعادن الأساسية والنادرة، في مقدمتها النحاس والنيكل والليثيوم. وتكتسب هذه المعادن أهمية اقتصادية متزايدة في ظل تنامي الطلب العالمي على المعادن المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة، حيث تقدر قيمة المواد القابلة للاستخراج من النفايات الإلكترونية عالميا بمليارات الدولارات سنويا.
وفي حديث للجزيرة نت، أكد حامد على نشاطه في المخلفات الإلكترونية وسط سوق مليئة بكافة أنواع الخردة، حيث يؤمن بأنها "صناعة تكبر". وأشار حامد إلى أنه يجمع المخلفات من وسطاء عدة ليتم التعامل معها بالفرز والفصل والتفكيك، لبيعها عبر وسيط أكبر للمصانع المتخصصة، لكنه يعرف فقط النحاس الذي يركز عليه، بالإضافة إلى الحديد والألومنيوم.
وفي المنطقة نفسها يوجد مخزن آخر لتجميع البطاريات المستعملة، لكن صاحبه يفضل عدم التحدث إلى وسائل الإعلام. وتقول سيدة تجمع النفايات في ضاحية فيصل بمحافظة الجيزة، طلبت عدم ذكر اسمها، إنها لا تعرف شيئا عن المعادن الحرجة، لكنها تعرف معادن مثل النحاس والألومنيوم والحديد، وتعتبرها شيئا ثمينا تحمله حال عثورها عليها إلى مخزن وسيط بالقرب من المنطقة التي تعمل فيها.
ومن الوسطاء الصغار المنتشرين في مناطق مثل السبتية إلى المصانع، يتحدث أحمد سالم، رئيس مجلس إدارة "الشركة المصرية لتدوير المخلفات الإلكترونية"، عن إمكانية أن تصبح مصر سوقا واعدة لاستخراج المعادن النادرة من الأجهزة الإلكترونية القديمة والبطاريات المستعملة. وأوضح سالم أن هناك حاجة لمزيد من التسهيلات من الدولة لدعم هذه السوق وتنميتها.
ويفضل المتخصصون الأفارقة، وفق سالم، إنشاء مجمع صناعي كبير في القاهرة لتدوير المخلفات الإلكترونية والبطاريات المستعملة، واستخراج المعادن النادرة والثمينة منها، بدلا من توجيهها إلى أوروبا. لكن أبرز التحديات، في تقديره، تكمن في توافر التمويل لجلب خطوط إنتاج تتكلف بين 3 إلى 4 ملايين يورو كبداية، مما يتطلب استغلال المنح من خلال وزارة البيئة والتعاون الدولي.
وحول المعادن المستخرجة حاليا، أكد سالم أن النحاس والحديد والألومنيوم من أبرز المعادن المستخرجة من مصانع تدوير المخلفات الإلكترونية. وفيما يتعلق بالبطاريات المستعملة، وبخاصة بطاريات الليثيوم، أوضح أن مصر لا تعالجها بسبب التكنولوجيا العالية والمكلفة التي تحتاجها، إذ تذهب هذه النفايات إلى مدفن صحي معتمد من وزارة البيئة لخطورتها.
واعتبر سالم أن المخلفات الإلكترونية تحتاج إلى جهد أكبر في التوعية الشعبية لتعظيم عوائدها. ولذلك قررت الجمعية التعاونية لتدوير المخلفات الإلكترونية بالتنسيق مع الحكومة القيام بمبادرة لتجميع المخلفات الإلكترونية من المدارس والجامعات والأفراد عبر تطبيق إلكتروني مقابل حوافز.
ويمثل ملف البطاريات، وبخاصة الليثيوم، التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة لارتفاع قيمتها نظرا لوجود الليثيوم والكوبالت والنيكل بها، مع خطورتها في الوقت نفسه. وأوضح المهندس يوسف ماهر، المهتم بمجال تدوير بطاريات الليثيوم، أن توسع سوق البطاريات في مصر سيؤدي إلى زيادة كمية البطاريات المستعملة في السنوات القادمة.
وأشار ماهر إلى أن هذا الكم من البطاريات المستعملة يشكل خطورة محتملة في التخزين أو التصدير، مما يتطلب السرعة في إعادة تدويرها، وهو ما يعمل عليه حاليا في مشروع خاص به لتدوير بطاريات الليثيوم.
ويرى استشاري الطاقة والبيئة وعضو مجلس الطاقة العالمي ماهر عزيز أن مستقبل مصر في مجال المعادن النادرة مرتبط بجهود الاستكشاف وتوفير التكنولوجيا اللازمة لاستخلاص تلك المعادن. وأكد أن المعادن النادرة أصبحت ثروة مهمة لأي دولة، وهو ما يتطلب تعظيم جهود الجهات المعنية للبحث عنها تحت الأرض وفوقها.

