تعد تقنية البلوتوث واحدة من أكثر البروتوكولات اللاسلكية انتشارا، حيث تربط مليارات الأجهزة حول العالم. ومع ذلك، فإن هذا الانتشار الواسع جعلها هدفا جذابا لمجرمي الإنترنت. يكمن الخطر الأساسي في أن هذه التقنية تعمل في نطاق ترددات الراديو المفتوحة (2.4 غيغاهرتز) وتعتمد على بروتوكولات معقدة تحتوي أحيانا على ثغرات برمجية في طريقة التشفير أو المصادقة.
بينما يولي المستخدمون اهتماما متصاعدا بكلمات المرور وشبكات الواي فاي المشفرة، يبقى البلوتوث حاضرا في جيوبهم على مدار الساعة ناشرا إشاراته في الهواء، وهو في معظم الأحيان مفتوح ودون حراسة. هذا التناقض يجعله من أكثر ناقلات الهجوم إغراء وأقلها انتباها في الأمن الرقمي المعاصر.
عُرف البلوتوث في أواخر التسعينيات بوصفه بديلا لاسلكيا للكابلات القصيرة. ومنذ ذلك الحين، تراكمت عليه إصدارات وامتدادات بروتوكولية متعددة، مما خلق ما يصفه باحثو الأمن بالثغرات الهيكلية التي يصعب سدها دون كسر التوافق مع الأجهزة القديمة. المشكلة البنيوية الأعمق أن البلوتوث لم يُصمم أصلا مع وضع الأمن أولوية.
لكن ما يجعل الأمر أكثر قلقا هو أن البلوتوث حين يكون مفعلا، يبث نبضات إعلانية مستمرة تكشف عن وجود الجهاز ونوعه، حتى وإن كان في وضع غير قابل للاكتشاف. مما يتيح للمهاجم تحديد هدفه واختيار ثغراته المناسبة.
تتعدد المخاطر الأمنية في البلوتوث بناء على إصدار البروتوكول وطريقة تنفيذه في الجهاز المحمول. يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية. أولاً، ثغرات التنفيذ، والتي لا توجد في تصميم البلوتوث نفسه، بل في الطريقة التي تكتب بها الشركات البرمجيات المشغلة له.
تتضمن هذه الثغرات ثغرة بلو بورن (Blueborne)، التي كشفت عنها شركة أرميس الأمريكية، والتي تسمح للمهاجمين بالسيطرة الكاملة على الأجهزة دون الحاجة للاقتران أو حتى وضع الجهاز في حالة قابل للاكتشاف. تكمن خطورتها في قدرتها على الانتقال من جهاز إلى آخر كالفيروس عبر الهواء. كما تتضمن ثغرة براك توث (BrakTooth)، التي أظهرت أبحاث من جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم أنها تؤثر على أكثر من 1400 منتج تجاري، مما يؤدي إلى تعطل الجهاز أو تنفيذ برمجيات خبيثة عن بُعد.
ثانياً، ضعف بروتوكول الاقتران، حيث يتم تبادل مفاتيح التشفير أثناء عملية الاقتران. إذا كانت هذه العملية تستخدم طرقا قديمة مثل "جست وركس" (Just Works)، يمكن للمهاجم اعتراض المفاتيح. وفقاً لتقرير من جامعة أكسفورد البريطانية، تتيح هذه الثغرة للمهاجم خداع الجهاز لإقامة اتصال آمن مع جهاز خبيث عبر تزوير هوية جهاز موثوق تم الاقتران به مسبقا.
ثالثاً، تتبع الموقع والخصوصية، حيث يمكن استخدام البلوتوث لتتبع المستخدم حتى بدون اختراق البيانات. تبث الأجهزة إشارات لإعلام الأجهزة الأخرى بوجودها، ويمكن للمتاجر أو المهاجمين استخدام هذه الإشارات لرسم خريطة لتحركاتك بدقة داخل المباني.
للحماية العملية، يجب على المستخدمين اتباع بعض النصائح البسيطة. أولاً، يجب إيقاف البلوتوث حين لا يحتاجون إليه، حيث لا يمكن مهاجمة أي بروتوكول معطل. ثانياً، ينبغي تحديث النظام فورا دون تأجيل، حيث سُدَّت معظم الثغرات الكبرى بتحديثات من غوغل وأبل ومايكروسوفت. ثالثاً، يجب عدم قبول طلبات الاقتران من مصادر مجهولة، حيث يجب رفض أي طلب غير متوقع في الأماكن العامة، خاصة في المطارات والفنادق ومراكز التسوق.
رابعاً، يجب مراجعة قائمة الأجهزة المقترنة بانتظام وحذف أي جهاز لا يتذكره المستخدم، حيث إن الأجهزة القديمة قد تكون ثغرة مفتوحة إن وقعت في يد آخرين. خامساً، ينبغي الانتباه لسماعات الرأس، حيث أثبتت ثغرات إيروها (Airoha) أن السماعة ليست مجرد أداة صوت، بل قد تكون جسرا لاختراق الهاتف.
بالإضافة إلى ذلك، يجب استخدام وضع "غير قابل للاكتشاف" في الأماكن العامة والانتباه للسيارة، حيث تذكرنا الثغرات أن البلوتوث لا يقتصر على الهاتف، بل إن نظام المعلومات والترفيه في السيارة قد يحمل ثغرات مفتوحة تستحق التحديث. يجب أيضًا ملاحظة السلوك غير المعتاد مثل تشغيل تطبيقات تلقائيا، أو ارتفاع مفاجئ في استهلاك البطارية، أو طلبات بلوتوث غير مبررة، حيث تُعتبر جميعها مؤشرات تستحق التحقيق.
يؤكد خبراء التقنية أن البلوتوث ليس شرا مطلقا، بل أداة مفيدة حين تُدار بوعي. أما الخطر الحقيقي فليس في البروتوكول ذاته، بل في اللامبالاة وإبقائه مفتوحا دائما، وتجاهل التحديثات، وقبول الاقتران دون تحقق. إذ إن 20 عاما من الأبحاث الأمنية المتراكمة تقول بوضوح إن هذا البروتوكول يكشف عنه الباحثون الجدد كل عام ثغرات أعمق مما قبلها.
تذكر دائماً أن الأمن الرقمي يبدأ بعادات صغيرة ثابتة، لا بحلول معقدة نادرة.

