اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

أزمة السفينة هونديوس تعيد طرح قضية انتشار الأوبئة عبر البحار

{title}

في مقال تحليلي نشرته لونوفيل أوبس، استعرض المؤرخ فرانسوا دريمو كيف أعادت أزمة سفينة الرحلات السياحية إم في هونديوس إلى الواجهة سؤالا قديما ظن العالم أنه تجاوزه: هل ما تزال البحار فضاء مثاليا لانتشار الأوبئة؟.

بعد تسجيل وفيات وحالات اشتباه بفيروس هانتا، وجدت السفينة نفسها معزولة في عرض المحيط، بينما رفضت بعض الموانئ استقبالها خوفا من انتقال العدوى.

وقد أعاد هذا الوضع إلى الأذهان صورا نمطية ظن العالم أنها وُوريت الثرى مع قصص طاعون مرسيليا ومحاجر القرن الثامن عشر للمصابين بالكوليرا وغيرها من الأوبئة في المدن الساحلية.

يرى دريمو أن ما يحدث اليوم لا يمثل استثناء، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الأزمات الصحية البحرية، ويستحضر مثال سفينة غراند سانت أنطوان التي نقلت الطاعون إلى مرسيليا.

وصل هذا الطاعون إلى غراند سانت أنطوان، عائدا من الشرق الأدنى، ودمر المدينة في الأشهر التالية، وهو ما أرجع، في الأساس، إلى التلكؤ في تطبيق التدابير الصحية التي كان يتعين تنفيذها.

كما يقارن الوضع بأزمة السفينة دايموند برينسس عندما تحولت إلى رمز عالمي لعجز الأنظمة الصحية أمام فيروس كورونا في بدايات انتشاره.

تعطلت هذه السفينة قبالة سواحل اليابان وكان على متنها 3600 راكب في بداية جائحة كوفيد-19، لتفضح مدى ضعف السفن الحديثة أمام الأمراض المعدية.

شرح المقال أن البحر يمتلك خصوصية مختلفة عن البر في التعامل مع الأمراض، ففي الماضي كانت الرحلات البحرية الطويلة تستغرق أسابيع أو أشهر، مما جعل السفن بيئات مغلقة تسمح بظهور الأعراض أثناء الإبحار.

لهذا ظهرت مبكرا أنظمة الحجر الصحي البحري، وأصبح وجود طبيب على متن السفن إلزاميا منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع تخصيص أماكن للعزل ومراقبة الركاب.

الموانئ الكبرى طورت أنظمة صحية معقدة لمراقبة السفن القادمة، خاصة مع ازدياد الهجرة والتجارة العالمية.

من أبرز الأمثلة على ذلك مركز إيليس آيلاند في الولايات المتحدة، حيث خضع ملايين المهاجرين الأوروبيين لفحوص صحية دقيقة قبل السماح لهم بالدخول.

حسب التحليل، فإن البروتوكولات التي تم وضعها في هذه الجزيرة منذ عام 1892 فصاعدا مكنت من السيطرة على المهاجرين الأوروبيين الوافدين إلى الولايات المتحدة.

تحولت الصحة البحرية خلال القرن التاسع عشر إلى أداة سياسية مرتبطة بالنفوذ الإمبراطوري، واستخدمت الدول الأوروبية الرقابة الصحية لحماية مصالحها التجارية.

كانت السفن تفحص قبل دخول الموانئ عبر أطباء مختصين يصعدون على متنها لتقييم الوضع الصحي، وإذا ظهرت أي شبهة مرضية، تُمنع السفينة من ممارسة نشاطها التجاري أو يُفرض على ركابها الحجر في مراكز عزل.

يرى المقال أن رفض الرأس الأخضر استقبال هونديوس يعكس استمرار هذا المنطق حتى يومنا هذا، فقرارات الإغلاق ومنع الرسو ليست صحية فقط، بل تحمل أيضا أبعادا سياسية تتعلق بالسيادة الوطنية والخوف من فقدان السيطرة.

يشير المقال إلى أن اختفاء الرحلات البحرية الطويلة بعد الحرب العالمية الثانية وصعود النقل الجوي غيّرا جذرياً طريقة انتشار الأمراض، ففي السابق كانت العدوى تظهر أثناء الرحلة البحرية، أما اليوم فغالبا ما يصل المصابون إلى وجهاتهم قبل ظهور الأعراض بسبب سرعة السفر الجوي.

لكن رحلة هونديوس كانت استثناءً، لأنها امتدت 46 يوما بين أمريكا الجنوبية والرأس الأخضر مرورا بجزر نائية، مما أعاد سيناريو "المرض الذي يتفجر في عرض البحر" كما كان يحدث في الماضي.

يؤكد الكاتب أن قطاع الرحلات البحرية تعلم الكثير من جائحة كورونا، خاصة بعد الانتقادات التي طالت إدارة أزمة دايموند برينسس.

اليوم أصبحت الشركات تعتمد بروتوكولات صحية أكثر صرامة، مع تدريب خاص للطواقم على التعامل مع الأوبئة.

لكن المفارقة أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت حادثة هونديوس تتحول بسرعة إلى قضية عالمية تثير القلق الجماعي، مما كشف أن المجتمعات ما تزال تحمل الخوف نفسه من الأمراض العابرة للحدود.

يعيدنا الحادث إلى الدور التاريخي والجوهري لطبيب السفينة، تلك المهنة التي صقلتها الأزمات الكبرى تاريخيا.

ورغم تطور أجهزة التعقيم وأنظمة التهوية، يظل فيروس هانتا، المرتبط غالبا بالقوارض، يذكرنا بأن الصراع الأزلي بين الإنسان وبيئة السفينة الضيقة لم ينتهِ بعد.

تتجلى أهمية الأطباء في الأزمات التي تتطلب الجمع بين الطب وعلم الأوبئة وإدارة اللوجستيات في أماكن مغلقة وبعيدة عن المستشفيات.

من الجوانب اللافتة في المقال التذكير بأن الأمراض البحرية ارتبطت تاريخياً بالقوارض، خاصة الفئران التي كانت تنقل الطاعون وغيره من الأوبئة عبر السفن، ولهذا طورت البحريات منذ القرن التاسع عشر إجراءات صارمة لمكافحة القوارض.

أزمة هونديوس ليست مجرد حادثة صحية معزولة، بل مرآة تكشف أن العالم الحديث ما يزال يعود، عند لحظات الخوف، إلى أساليب قديمة جدا: الحجر الصحي، العزل، إغلاق الحدود، ومراقبة الحركة البحرية.

ورغم هذه الإجراءات، بقي وجود القوارض هاجسا دائما في عالم الملاحة، حتى إن العثور على فئران نافقة كان يُعتبر أحيانا مؤشرا مبكرا على وجود خطر صحي على متن السفينة.

يخلص المقال إلى أن أزمة هونديوس ليست مجرد حادثة صحية معزولة، بل مرآة تكشف أن العالم الحديث ما يزال يعود، عند لحظات الخوف، إلى أساليب قديمة جدا: الحجر الصحي، العزل، إغلاق الحدود، ومراقبة الحركة البحرية.

ورغم تطور الطب والتكنولوجيا، تبقى البحار فضاءً هشاً أمام الأوبئة، وتظل الذاكرة الجماعية للبشرية مرتبطة بصورة السفينة المعزولة في الأفق، الحاملة لمرض غير مرئي يهدد اليابسة بأكملها.