لم يعد فيروس هانتا مجرد خبر عابر في صفحات الصحة الدولية. بل تحول إلى قضية أمن قومي. بالذات في فرنسا بعد تسجيل أول إصابة مؤكدة لمواطنة فرنسية عائدة من سفينة هونديوس.
بينما كان العالم يلملم جراحه من جائحة كوفيد-19، استيقظت الصحافة الفرنسية على وقع مرسوم حكومي عنيف في صرامته. يفرض عزلا لمدة 42 يوما. لتبدأ رحلة البحث عن إجابات لأسئلة معقدة: كيف تسلل الفيروس؟ وما هي فرص تحوله إلى وباء عالمي؟
أجمعت كبريات الصحف الفرنسية لوموند وليبراسيون ولوفيغارو ولو باريزيان على أن الدولة الفرنسية اختارت هذه المرة سياسة الصدمة والترهيب الصحي لقطع الطريق أمام أي تفشٍ محتمل.
قالت الصحف إن باريس اعتمدت البروتوكول الأشد في القارة الأوروبية، بينما اتبعت واشنطن سياسة مرنة تثير قلق منظمة الصحة العالمية. وأوضحت أن الحكومة الفرنسية منحت المحافظين (الولاة) صلاحيات استثنائية لفرض العزل القسري.
لفتت الصحف إلى أن مستشفى بيشا بباريس بات يمثل الخندق الأول في هذه المواجهة، حيث يتم احتجاز المصابين والمخالطين في غرف معزولة بتقنيات تدفق هواء تمنع خروج أي ذرة فيروسية.
انفردت لوموند بتقديم قراءة بيولوجية وتاريخية عميقة، مبتعدة عن ضجيج الأرقام السياسية لتغوص في حياة المتهم الأول: الجرذ القزم ذو الذيل الطويل (Oligoryzomys longicaudatus). وأوضحت أن هذا الكائن، الذي اكتشفه الجراح الملاحي فريدريك بينيت عام 1832، ليس مجرد قارض عادي، فهو يتميز بذيل يفوق طول جسده.
رغم اسمه جرذ الأرز، إلا أنه يعيش بعيدا عن المزارع في براري الأرجنتين وتشيلي. نقلت الصحيفة عن الباحث أوليسيس بارديناس كيف تحولت صورة هذا الحيوان من جزء لطيف من النظام البيئي المحلي إلى مصدر للرعب منذ اكتشاف أول حالة بشرية للفيروس عام 1995.
توسعت لوموند في شرح ظاهرة الراتاداس (Ratadas)، وهي انفجارات سكانية مفاجئة لهذه القوارض تحدث بعد فصول الشتاء الممطرة وازدهار الخيزران.
تكمن المفارقة التي طرحتها الصحيفة في أن الإنسان هو من اقتحم موطن الفيروس عبر السياحة الجائرة وتغيير النظم البيئية، مما جعل التماس مع مخلفات هذه القوارض (البول واللعاب) أمرا حتميا، وهو ما يفسر إصابة الزوجين الهولنديين اللذين كانا المريض صفر على متن السفينة.
انفردت ليبراسيون بنقد لوجستي لاذع، مركزة على تعقب مسار الحالات المخالطة التي قد تكون أفلتت من الرقابة. وطرحت الصحيفة تساؤلا جوهريا حول قدرة النظام الصحي على تتبع 22 فرنسيا تعرضوا للمخاطر في رحلات جوية بين سانت هيلانة وجوهانسبرغ.
بينما ركز الآخرون على السفينة، سلطت ليبراسيون الضوء على مأساة السيدة الهولندية التي توفيت بعد مغادرتها السفينة مبكرا، وكيف أن حركتها في المطارات والطائرات خلقت ثغرة وبائية عابرة للقارات. وصفت الصحيفة العملية بأنها اختبار قوة لنظام التعقب الفرنسي بعد ست سنوات من تجربة كورونا.
انفردت لو فيغارو بتفكيك ميكانيكا الفيروس داخل الجسد، حيث شرحت الصحيفة بأسلوب علمي مبسط كيف يؤدي فيروس هانتا (سلالة الأنديز) إلى ما يعرف بالتسرب الشعيري؛ حيث تتسرب البلازما من الأوعية الدموية لتغرق الرئتين حرفيا، مما يؤدي إلى فشل تنفسي صاعق. كان هذا التفصيل العلمي ضروريا لفهم سبب وصول نسبة الفتك إلى 40%، وهو ما يبرر الهلع الحكومي.
أما لو باريزيان فقد انفردت بالزاوية القانونية والاجتماعية، مناقشة المدى الذي يمكن أن يصل إليه العزل. أوضحت أن محافظي الولايات لديهم سلطة تحديد ساعات الخروج ومكان العزل (سواء في المنزل أو المستشفى). وأشارت إلى أن انتهاك هذه القواعد لم يعد مجرد مخالفة صحية، بل قد يؤدي إلى غرامة 1500 يورو (نحو 1620 دولارا)، مما يضع المجتمع الفرنسي أمام مقايضة صعبة بين الحرية الفردية والضرورة الوبائية.
يمكن أن نستنتج من هذه التغطية الصحفية أن هانتا ليس مجرد فيروس، بل هو تذكير بضعف الحداثة أمام قوى الطبيعة. بينما قدمت لوموند الجانب البيئي، ركزت لوفيغارو على الجانب الطبي، فيما تناولت ليبراسيون الجانب الرقابي.
اتحدت جميعها في رسالة واحدة مفادها أن العالم يبحر اليوم في سفينة واحدة، وأي ثغرة في بروتوكول دولة واحدة (كما في الحالة الأمريكية) قد يغرق الجميع في موجة وبائية جديدة لا ترحم. وتظل هونديوس صرخة تحذير من أن الأوبئة القادمة قد لا تأتي من المختبرات، بل من ذيل جرذ في براري باتاغونيا البعيدة.

