في سياق يتسم بتصاعد الضغوط السياسية على المؤسسات النقدية في أوروبا، يكتسب ملف تعيين محافظ جديد لبنك فرنسا بُعداً اقتصادياً ومؤسسياً بالغ الحساسية، نظراً لارتباطه المباشر باستقلالية السياسة النقدية. ويرتبط دور البنك المركزي الفرنسي ضمن منظومة البنك المركزي الأوروبي في إدارة أسعار الفائدة وضمان استقرار النظام المالي في منطقة اليورو.
يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختباراً حاسماً مع استعداد البرلمان لاتخاذ قرار بشأن ترشيح رئيس ديوانه السابق لتولي إدارة «بنك فرنسا»، في خطوة يراها بعض المنتقدين جزءاً من مساعٍ أوسع لحماية المؤسسات الرئيسية من احتمال صعود اليمين المتطرف في الانتخابات المقبلة.
قد يُشكِّل رفض ترشيح إيمانويل مولان هزيمةً محرجةً لماكرون، إذ يعكس ذلك تراجع نفوذه السياسي مع اقتراب نهاية ولايته. في المقابل، يرى مراقبون أنَّ تمرير التعيين قد يفتح الباب أمام مزيد من الاتهامات للسلطة التنفيذية بمحاولة تثبيت مقربين من الرئيس في مواقع استراتيجية، مما يضمن استمرار إرثه السياسي.
قال المحلل السياسي ويليام ثاي من مركز الأبحاث «لو ميلينيير»: «الرئيس محق من الناحية الفنية في ترشيح مولان، لكن القرار ينطوي على مخاطرة سياسية كبيرة في حال رفضه البرلمان، خصوصاً في ظلِّ فقدانه الأغلبية».
يُعتبر مولان من أبرز صانعي السياسات الاقتصادية المخضرمين في فرنسا، ويمكن للمعارضين داخل اللجان المالية في المجلسين عرقلة التعيين إذا صوّت 3 أخماس الأعضاء ضده. يُحتسب الأصوات في المجلسين معاً، ولا يُعتمد التعيين إلا إذا لم تتجاوز نسبة الرافضين 60 في المائة من إجمالي الأصوات.
تشكيل اللجان يعكس تركيبة المجلسين، ولا يملك ماكرون وحلفاؤه أغلبية في أي منهما. رغم توقع وجود مقاومة في لجنة الجمعية الوطنية المنقسمة، يُنظَر إلى لجنة مجلس الشيوخ - التي يهيمن عليها المحافظون - على أنَّها الحاسم الأساسي في القرار.
لا يُشكِّك أحد في الكفاءة المهنية لمولان، غير أنَّ قربه السياسي من ماكرون أثار تساؤلات حول استقلاليته، وهي مسألة حساسة في منصب يُفترَض أن يتمتع باستقلال كامل عن النفوذ السياسي.
أوضح إريك كوكريل، رئيس لجنة المالية في الجمعية الوطنية، أنَّ غالبية أحزاب اليسار تعارض تعيين مولان، بينما لا يزال موقف الاشتراكيين غير محسوم. رغم الجدل، فإنَّ هناك سابقة مماثلة، حيث عيّن الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند عام 2014 رئيس ديوانه لرئاسة بنك الادخار الفرنسي.
من المقرر أن يخضع مولان لجلسات استماع في لجنتَي البرلمان قبل التصويت. أبدى مولان استعداده للقاء النواب لمناقشة أولويات عمله، بدءاً من تنظيم القطاع المصرفي وصولاً إلى مسألة استقلالية البنك.
بصفته محافظاً للبنك المركزي الفرنسي، سينضم مولان إلى مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي. خصوم ماكرون قد عبَّروا عن استيائهم من سلسلة تعيينات شملت مقربين منه، معتبرين أنَّ هذه التعيينات تهدف إلى ترسيخ نفوذ حلفاء ماكرون في المؤسسات الحساسة.
تشير استطلاعات الرأي إلى أنَّ الجولة الثانية من الانتخابات المقبلة قد تشهد مواجهة بين معسكر ماكرون ومرشح من اليمين المتطرف، الذي يتبنى برنامجاً لتعطيل جزء كبير من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية. يبقى مجلس الشيوخ العامل الحاسم في مصير مولان، وسط ترقب لما إذا كان الجمهوريون سيوحِّدون صفوفهم.

