في وقت يُصارع الاقتصاد العالمي أمواجاً عاتية من الضغوط السعرية المرتفعة بفعل حرب إيران وتعطل مضيق هرمز، نجحت السعودية في رسم مسارٍ مغاير حيث واصلت معدلات التضخم تباطؤها لتستقر عند مستويات من بين الأدنى عالمياً. وأوضح الخبراء أن هذا الأداء جاء مدعوماً باستقرار الإيجارات من جهة وبالإجراءات التنظيمية المحقِّقة للتوازن بين العرض والطلب من جهة أخرى.
وأضافت الحكومة أن التدابير الاستباقية التي اتخذتها والسياسات المالية والنقدية نجحت في عزل السوق المحلية عن تداعيات الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وكشفت أحدث البيانات الإحصائية عن هذا المسار الهبوطي لمعدل التضخم الذي تباطأ في شهر أبريل إلى 1.7 في المائة على أساس سنوي وفق "الهيئة العامة للإحصاء".
وتتوقع وزارة المالية أن يتباطأ التضخم في المملكة إلى حدود 2 في المائة مقارنة مع 2.3 في المائة في 2025. وقد جاء هذا التباطؤ مدعوماً بتسجيل وتيرة أبطأ لارتفاع تكاليف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.8 في المائة مقارنة بمستوياتها السابقة.
كما أشار استقرار الإيجارات الفعلية للمساكن عند 4.8 في المائة للشهر الثاني على التوالي إلى أن السوق بدأت بالفعل استيعاب التدابير التنظيمية، وهو ما يطرح تساؤلاً ملحاً في الأوساط الاقتصادية حول ما إذا كانت المملكة قد دخلت فعلياً مرحلة كبح الإيجارات المستدامة. ويرى الخبراء أن هذا الاستقرار يفتح المجال في الفترة المقبلة لمزيد من التراجع، خصوصاً مع اعتماد اللائحة التنفيذية لرسوم العقارات الشاغرة.
وأوضح المختصون أن هذه الرسوم تهدف إلى زيادة كفاءة المنظومة العقارية وتحقيق توازن بين العرض والطلب، مما سينعكس بدوره على انخفاض الأسعار وتراجعها على المستوى العام في المملكة. وبينت الحكومة أنها كثفت جهودها لخفض أسعار العقارات بتوجيه من ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لتنفيذ عدد من الإجراءات في هذا الشأن.
وأظهرت البيانات أن نمو أسعار مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود تباطأ إلى 3.8 في المائة خلال أبريل على أساس سنوي، مقارنة مع 3.9 في المائة في مارس، ليُسجل أدنى معدل زيادة منذ بداية العام. كما استقر تضخم الإيجارات الفعلية للمساكن للشهر الثاني على التوالي عند 4.8 في المائة، وهو أيضاً أقل معدل ارتفاع منذ مطلع العام.
وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 في المائة مقارنة مع مارس نتيجة زيادة أسعار الأغذية والمشروبات والسكن والطاقة، بينما أسهم استقرار أسعار النقل وتراجع بعض بنود الأثاث والملابس في الحد من تسارع التضخم.
في المقابل، تسارع نمو أسعار الأغذية والمشروبات، أكبر المجموعات وزناً في سلة أسعار المستهلكين، إلى 0.6 في المائة خلال أبريل مقارنة مع 0.3 في المائة في مارس، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأغذية بشكل رئيسي. كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، إلا أن ذلك يُمثل تباطؤاً مقارنة بالشهر السابق.
وذكر مختصون عقاريون أن تحركات الحكومة فيما يخص المنظومة العقارية ستُسهم في تراجع الأسعار، مما سيساعد في تخفيض التضخم في السعودية. وأكد المستشار الدكتور أسامة بن غانم العبيدي أن التباطؤ يعود لاستقرار إيجارات السكن مع اعتماد لائحة رسوم العقارات الشاغرة التي تفرض رسوماً سنوية تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبنى.
وأوضح أن اللائحة التنفيذية ستحفز الملّاك على استغلال عقاراتهم الشاغرة وعرضها في السوق، مما يؤدي إلى زيادة المعروض وبالتالي خفض أسعار الإيجارات. وأشار إلى أن اللائحة الجديدة جاءت بعد سلسلة من الإجراءات الحكومية من خلال فرض رسوم على الأراضي البيضاء وتنظيم الأراضي غير المطورة.
بدوره، ذكر المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري أن تباطؤ معدل التضخم السنوي جاء مدعوماً باستقرار مجموعة الإيجارات الفعلية للمساكن. وأكد أن التحركات الحكومية أسهمت في تهدئة وتيرة ارتفاع تكاليف السكن، متوقعاً أن تسهم هذه الخطوة في نزول أكبر في أسعار الإيجارات.
وفي الختام، تُظهر البيانات والتحركات التشريعية المتسارعة أن المملكة لا تكتفي بمراقبة مؤشرات التضخم، بل تعمل بشكل استباقي على معالجة جذور التحديات السعرية، مما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية ويزيد قدرة الأسر على التخطيط المالي طويل الأمد.

