منذ تلقت مجموعة فولكس فاغن، أكبر شركات صناعة السيارات في أوروبا، ضربتها الأولى في ما عُرف بـ"فضيحة الديزل". دخل قطاع السيارات الألماني سلسلة أزمات متلاحقة، حيث شهد تراجعاً حاداً في معدلات الإنتاج بين عامي 2018 و2019، تلاه أزمة الرقائق بين عامي 2020 و2022 نتيجة تداعيات جائحة كورونا. وصولاً إلى أزمة هيكلية مستمرة منذ عام 2022، مما يؤكد أن هذا القطاع يواجه أزمة غير مسبوقة في تاريخه الحديث.
وما زالت الأزمة مستمرة، إذ توقع اتحاد صناعة السيارات الألماني أن القطاع الذي يشغّل في ألمانيا وحدها 770 ألف شخص، سيقلص الوظائف أكثر مما كان متوقعاً، بواقع 225 ألف وظيفة بحلول عام 2035. وهو العام الذي سيحظر فيه الاتحاد الأوروبي محرك الاحتراق الداخلي. وأعلنت شركة صناعة السيارات الرياضية (بورشه) التابعة لمجموعة (فولكس فاغن) عن تسجيل خسائر بقيمة 923 مليون يورو (نحو 997 مليون دولار) في الربع الأول من العام الحالي.
ونقلت صحيفة هاندلسبلات الاقتصادية عن رئيسة اتحاد صناعة السيارات هِلدِغارد موللر تعليقها على الأرقام بالقول إن هذا التطور "يبعث على القلق ويظهر أن ألمانيا كموقع صناعي تعاني من أزمة مستمرة وخطيرة". وأضافت أن هذا التطور "لن يمر دون عواقب على ازدهار ألمانيا وأيضاً على استقرارها الاجتماعي والسياسي".
تفرغ الأزمات المتلاحقة فعلياً النموذج الألماني الريادي في مجال صناعة السيارات من مضمونه، مما يدفع مجموعات (مرسيدس بنز) و(بي إم دبليو) و(فولكس فاغن) والشركتين التابعتين لها (أودي) و(بورشه) إلى البحث عن قطاعات بديلة. وفقًا للدراسة التي أشرف عليها معهد (ألِنسباخ) لاستطلاعات الرأي وأبحاث السوق، تتجه 79% من الشركات العاملة في قطاع صناعة السيارات المتأثرة بالتحول الهيكلي نحو قطاعات أكثر ربحية. بينما توسع 25% من هذه الشركات أعمالها في مجال الصناعات العسكرية والدفاعية.
يشير تقرير لصحيفة دير فرايتاغ الألمانية الأسبوعية إلى أن مصنع (أزنابروك) الذي يعد من أقدم مصانع مجموعة (فولكس فاغن) أصبح "رمزاً" لهذا التوجه بعد إعلان المجموعة إغلاقه في العام المقبل. وهذا القرار شجع أكبر شركة لصناعة الأسلحة في ألمانيا (راينمتال) على التفكير في الاستحواذ على المصنع، لكن الشركة تراجعت عن القرار بعد معاينة المصنع وإجراء مفاوضات مع (فولكس فاغن).
لكن (فولكس فاغن) حضرت حلاً مشابهاً، حيث قررت وفقًا لصحيفتي بيلد وفايننشال تايمز إنقاذ المصنع والخروج من أزمتها من خلال الاتفاق مع شركة صناعة الأسلحة الإسرائيلية (رافائيل) على استخدام هذا المصنع لصناعة مركبات لمنظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية (القبة الحديدية).
واللافت أن مصنع (أزنابروك) ليس حالة منفردة. إذ تنقل الصحيفة عن دراسة للمعهد الألماني المختص في أبحاث السيارات قوله إن قطاع الصناعات العسكرية "ليس الحل الوحيد بالنسبة لشركات صناعة السيارات المضطرة إلى تنويع أعمالها". فشركة (أوتوفيو) التي انفصلت في عام 2025 عن شركة (كونتننتال) وقعت في مارس الماضي اتفاقية تعاون مع شركة (هنزلوت) المتخصصة في الصناعات الإلكترونية العسكرية.
وينطبق ذلك على الشركة العملاقة لصناعة قطع الغيار (شيفلر) التي وقعت في ديسمبر الماضي اتفاقية تعاون مع شركة صناعة المسيّرات (هِلسينغ) وكذلك على شركة صناعة الأسلحة (كيه إن دي إس) التي اتفقت مع شركة (دريكسلماير) على إنتاج مكونات لمدرعة (بوكسر) التي تنتجها. وهناك شركات أخرى أقل شهرة تتجه كلها نحو الصناعات العسكرية التي تشهد رواجا أكثر من أي وقت مضى.
يعد المشروع المشترك بين شركتي (راينمتال) لصناعة الأسلحة و(إم إيه إن) لصناعة المركبات التابعة لمجموعة (فولكس فاغن) من أفضل الأمثلة على هذا التحول، حيث حصل المشروع المشترك من الجيش الألماني على عقد ضخم بقيمة 3.5 مليارات يورو (نحو 3.78 مليارات دولار) مقابل تزويد الجيش بـ 6500 مركبة عسكرية.
ولا يأتي هذا التطور بمبادرة شركات صناعة السيارات فحسب، بل بتشجيع علني من قبل الحكومة الألمانية. ففي ديسمبر الماضي، دعا وزير الدفاع الاتحادي بوريس بيستوريوس ووزيرة الاقتصاد كاتارينا رايشه الشركات الصناعية إلى قمة خاصة ببرلين ركّزت على إبراز الخبرات التي يمتلكها قطاع السيارات ويحتاجها قطاع الأسلحة مثل تقنيات الهياكل خفيفة الوزن وأنظمة الدفاع الحديثة.
وكان وزير الدفاع الألماني في هذه القمة واضحاً حين قال إن الفصل بين الصناعات العسكرية وصناعة السيارات "لم يعد منطقياً"، الأمر الذي تمخض عنه تأسيس منصة ماتشميكينغ التي تهدف إلى ربط شركات الصناعات العسكرية مع الشركات المدنية.
ترى صحيفة جنرال أنتسايغر في الأوقات الصعبة التي يعيشها قطاع السيارات "مرآة للأزمة الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد الألماني"، حيث يعتبر القطاع الذي كان العمود الفقري للاقتصاد الألماني "يتلقى خبرا سيئا تلو الآخر". وتقارن الصحيفة بين قطاع السيارات المرهق ونظيره لصناعة الأسلحة، مشيرة إلى أن حرب أوكرانيا كانت فعلياً السبب الرئيسي في ازدهار قطاع صناعة الأسلحة.
لذلك، تسعى شركات السيارات الألمانية إلى الاستفادة من طفرة الصناعات العسكرية واقتطاع جزء من كعكة المليارات التي تتدفق إلى قطاع صناعة الأسلحة، حيث تعرض شركة (مرسيدس بنز) نسخة عسكرية من سيارتها جي كلاس (G-Class)، بينما تخطط (فولكس فاغن) أيضاً لعرض نموذجين أوليين لمركبات عسكرية. ورغم جميع هذه الخطط الطموحة، يحذر الخبراء من المبالغة في التوقعات، مؤكدين أن صناعة السيارات لا تستطيع أن تتحول بالكامل إلى الصناعات العسكرية.

