اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

أوروبا وتحديات الاعتماد على التقنية الأمريكية

{title}

اخترقت التكنولوجيا الأمريكية حياتنا اليومية بشكل غير مسبوق في السنوات الماضية. وأصبحنا نعتمد عليها بشكل شبه أساسي حتى نمارس حياتنا اليومية بشكل طبيعي. بدءا من دفع الأموال باستخدام خدمات متقدمة مثل آبل باي أو حتى فيزا وماستر كارد. إلى خدمات التنقل والوصول إلى وجهاتنا إما عبر خدمات مثل أوبر أو غوغل مابس.

ويزداد هذا التوغل يوما بعد يوم مع طرح المزيد من التقنيات والخدمات الأمريكية التي أصبح لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية. وربما كانت نماذج الذكاء الاصطناعي وأدوات المحادثة الخاصة به المثال الأحدث على هذا.

ورغم وجود بدائل لبعض الخدمات التقنية الأمريكية، فإن استبدالها يعني الخروج من الشبكة وخسارة الكثير من المزايا والراحة التي توفرها. فضلا عن كون الخدمات البديلة أضعف أو أقل جودة أحيانا من مثيلاتها الأمريكية.

وكشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن مدى تفاقم هذه الأزمة واستياء الحكومات الأوروبية منها. وذلك عقب تطبيق مجموعة من العقوبات على نيكولا غيو قاضي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي الذي أصدر مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.

ويشير التقرير إلى أن القاضي غيو وجد نفسه فجأة عاجزا عن استخدام بطاقات الائتمان مثل فيزا وماستر كارد أو تطبيقات الدفع مثل آبل باي وباي بال. كما ألغيت حجوزاته الفندقية وتوقفت خدمات الشحن المرتبطة بشركات أمريكية مثل يو بي إس. وامتد الأمر إلى تقييد وصوله إلى خدمات البريد الإلكتروني والمنصات الرقمية مثل يوتيوب وخدمات البث والترفيه مثل نتفليكس وآبل تي في. وأظهر ذلك كيف يمكن للعقوبات الأمريكية أن تتحول إلى زر إيقاف يعطل حياة الأفراد والمؤسسات حتى خارج الولايات المتحدة.

هذا الأمر لفت انتباه الحكومات الأوروبية التي باتت تخشى من الاعتماد المتزايد على البنية التقنية الأمريكية. خاصة مع تصاعد التوترات السياسية بين ضفتي الأطلسي. فالقارة الأوروبية تعتمد بشكل واسع على شركات أمريكية في مجالات الحوسبة السحابية وأنظمة التشغيل والدفع الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. ما يجعلها عرضة لضغوط سياسية أو اقتصادية محتملة.

وأحد أبرز المخاطر التي كشفها التقرير يتمثل في هشاشة أنظمة الدفع الأوروبية أمام أي قرار أمريكي مفاجئ. إذ إن كثيرا من البطاقات البنكية الأوروبية تعتمد فعليا على شبكات أمريكية مثل فيزا وماستر كارد. وهذا يعني أن أي عقوبات أو قيود أمريكية قد تؤدي إلى تعطيل عمليات الدفع والسحب النقدي وحتى حجز الفنادق ووسائل النقل. كما حدث مع القاضي غيو.

كما أظهر التقرير مدى اعتماد أوروبا على الخدمات السحابية والبنية الرقمية الأمريكية. إذ إن تعطيل خدمات شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون قد يعني فقدان الوصول إلى البريد الإلكتروني والملفات المشتركة ومنصات العمل والاجتماعات الافتراضية. وهو ما قد يشل أعمال الشركات والمؤسسات بشكل شبه كامل.

ويمتد الخطر أيضا إلى قطاع الاتصالات والتواصل الاجتماعي. فالتطبيقات الأكثر استخداما في أوروبا مثل واتساب وفيسبوك وإنستغرام وإكس أمريكية المنشأ. ما يمنح واشنطن نفوذا هائلا على تدفق المعلومات والتواصل الرقمي داخل القارة الأوروبية.

وأشار التقرير كذلك إلى اعتماد الأوروبيين على المنصات الأمريكية في الخدمات اليومية الأساسية. بدءا من تطبيقات الملاحة مثل غوغل مابس. وصولا إلى منصات التجارة الإلكترونية وحجوزات السفر مثل بوكينغ وإكسبيديا. ويعني ذلك أن تعطيل هذه الخدمات قد يربك الحياة اليومية ويؤثر مباشرة في التنقل والتسوق والسفر.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، تخشى أوروبا من اتساع الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة. خاصة أن معظم أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والبنية الحاسوبية الداعمة لها تتركز لدى الشركات الأمريكية. وهو ما قد يعزز تبعية القارة الأوروبية مستقبلا في واحد من أهم القطاعات التقنية الناشئة.

يشير التقرير إلى أن البدائل الأوروبية وغير الأمريكية للخدمات التقنية موجودة بالفعل. لكنها ما تزال محدودة الانتشار أو أقل تكاملا مقارنة بالمنظومة الأمريكية المهيمنة. ومع ذلك، بدأت الحكومات والشركات الأوروبية التعامل مع هذه البدائل باعتبارها ضرورة إستراتيجية لتعزيز ما يسمى بالسيادة الرقمية.

ففي قطاع البريد الإلكتروني والخدمات السحابية، يذكر التقرير خدمات أوروبية مثل خدمة البريد الإلكتروني السويسرية بروتون ميل ومنصات الحوسبة السحابية الأوروبية مثل أو في إتش كلاود. التي تُطرح بوصفها بدائل عن خدمات الشركات الأمريكية الكبرى مثل غوغل ومايكروسوفت وأمازون. كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير ما يعرف بالسحابة السيادية التي تعمل وفق القوانين الأوروبية.

أما في مجال الخرائط والملاحة، فيلفت التقرير إلى وجود خدمات أوروبية بديلة مثل ماب تيلر السويسرية وأوبن كيج الألمانية. التي يمكن استخدامها بدلا من خرائط غوغل. وإن كانت أقل انتشارا واعتمادا بين المستخدمين.

وفي تطبيقات التواصل، يشير التقرير إلى إمكانية استخدام تطبيق تليغرام الروسي الأصل بديلا لبعض تطبيقات المراسلة الأمريكية مثل واتساب وسيغنال. كما يمكن العودة إلى الرسائل النصية التقليدية وشبكات الاتصالات المحلية عند تعطل التطبيقات الأمريكية.

كما يوضح أن هناك بدائل أوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي. مثل منصة لي شات التابعة لشركة ميسترال إيه آي الفرنسية. وخدمة لومو التابعة لشركة بروتون السويسرية. لكنه في المقابل يشير إلى أن هذه الخدمات لا تزال تعتمد جزئيا على تقنيات أمريكية. خصوصا شرائح شركة إنفيديا.

وفي قطاع المدفوعات، تعمل المؤسسات الأوروبية على تطوير أنظمة دفع وتحويلات مالية بديلة عن فيزا وماستر كارد. إلى جانب مشروع اليورو الرقمي الذي يقوده البنك المركزي الأوروبي. لكن التقرير يؤكد أن هذه المشاريع لا تزال في مراحل التطوير. وقد لا تصبح جاهزة على نطاق واسع قبل سنوات.

ورغم تعدد هذه البدائل، يشدد التقرير على أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بوجود البديل. بل بقدرته على منافسة الخدمات الأمريكية من حيث الانتشار والكفاءة والتكامل. وهو ما يجعل الاستقلال الرقمي الأوروبي هدفا طويل الأمد ومعقد التحقيق.

ربما زاد اعتماد العالم أجمع وأوروبا بشكل خاص على الخدمات التقنية الأمريكية والبنية التحتية التابعة لها. ولكن لا يعني هذا أن العكس غير صحيح. إذ يصف تقرير فايننشال تايمز العلاقة الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة بأنها علاقة تبادلية يعتمد فيها كلا الطرفين على بعضهما البعض.

فشركات التقنية الأمريكية المسؤولة عن غالبية الخدمات في القارة الأوروبية تعتبر أوروبا سوقا مثاليا لبيع خدماتها. ويكشف تقرير مجلة إنفستمنت مونيتور البريطانية المختصة بتحليلات البيانات والإعلام والاستشارات أن شركات التقنية الأمريكية تجد في السوق الأوروبية مصدرًا كبيرًا للدخل الخارجي والتوسع.

ويمتد الأمر بشكل مباشر لاعتماد الشركات التقنية الأمريكية على شركات تصميم وصناعة الشرائح الأوروبية مثل إيه إس إم إل التي تفشل بدونها مساعي الحكومة الأمريكية لتوطين صناعة الشرائح وأشباه الموصلات حسب التقرير.

وكذلك الأمر مع شركات الاتصال الأوروبية مثل نوكيا وإريكسون اللتين أصبحتا دليلا على أن التبعية تسير في اتجاهين. وذلك أن الولايات المتحدة نفسها تعتمد على الشركتين لدعم شبكات الاتصال الأمريكية بعد حظر الشركات الصينية العاملة في القطاع عقب حظرها في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأولى. وأي محاولة للانفصال عنهما ستلحق ضررا بالغا في الاقتصاد الأمريكي.

من الواضح أن كفة الميزان تميل كثيرا لصالح الخدمات التقنية الأمريكية نتيجة الاعتماد الكبير عليها. لكن أوروبا تبذل مساعي حثيثة للوصول إلى السيادة الرقمية. ومع ذلك فإن الطرفين يعتمدان على بعضهما البعض بشكل لا يمكن تفكيكه بسهولة.