مع حلول عيد الأضحى المبارك، تزداد التساؤلات حول كيفية تناول لحوم العيد بأمان خاصة بالنسبة للفئات التي تعاني من أمراض مزمنة مثل السكري والقلب وارتفاع الكوليسترول. فالبهجة المصاحبة لموائد العيد تفرض تحديات صحية كبيرة تتطلب وعياً طبياً لتجنب أي مضاعفات مفاجئة.
يوضح الدكتور مصطفى النجار، استشاري التغذية العلاجية، أن القاعدة العامة لمرضى القلب أو السكري تشير إلى عدم تناول كميات كبيرة من اللحوم الحمراء. بل يُنصح دائماً بالتنوع ما بين اللحوم البيضاء والحمراء. أما فيما يخص التعامل مع فترة العيد، فيبين الدكتور النجار الخطوات الصحية التالية.
لا مانع طبي من تناول مريض السكري أو القلب لطبق "الفتة" أو اللحم في اليوم الأول، ولكن شريطة ألا تزيد كمية اللحم المستهلكة على 200 إلى 250 جراماً كحد أقصى. يجب الابتعاد تماماً عن القطعيات الغنية بالدهون واختيار اللحوم التي لا تحتوي على أي دهون خارجية في مظهرها العام.
إذا رغب المريض في تناول اللحوم طوال فترة العيد، فلا يجب أن يكون ذلك بشكل يومي متتالٍ لتجنب المضاعفات. بل يُفضّل اعتماد نظام "يوم بعد يوم". فعلى سبيل المثال: يتناول المريض اللحم الأحمر في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني يستبدله باللحوم البيضاء مثل الدجاج، ثم يعود للحم الأحمر في اليوم الثالث. ويحذر استشاري التغذية العلاجية من أن تناول وجبة واحدة دسمة وسمينة قد يتسبب فجأة في مشاكل صحية خطيرة لمرضى القلب والسكري.
ينصح الدكتور مصطفى النجار بضرورة الابتعاد التام عن القطعيات التي تحتوي على دهون ظاهرة من الخارج. كما يحذّر من تناول الأعضاء الداخلية والقطعيات عالية التركيز بالدهون مثل الكبدة والكرشة والممبار والضلوع. وفي المقابل، يشير إلى وجود قطعيات تتميز باحتوائها على نسب دهون متوسطة أو قليلة، وهي الأنسب للمرضى، وتتمثل في "وش الفخدة" والفليتو والعِرق مثل عرق الفلتو أو التربيانكو، واللحم البتلو الخالي من الدهن الظاهري.
يشدد الدكتور النجار على حقيقة علمية مهمة؛ وهي أن اللحوم حتى وإن بدت خالية تماماً من الدهون أمام أعيننا، فإنها تحتوي بطبيعتها على دهون داخلية ضمن نسيجها. إلا أن القطعيات المذكورة تظل الأقل في مستويات الدهون. وعن سؤال البعض حول ضرورة الامتناع التام عن الدهون، يجيب: "لا يحتاج مريض القلب أو السكري لمنع الدهون تماماً. فالجسم بحاجة إلى دهون من مصدر حيواني، ولكن الفكرة تكمن في تناولها بنسب قليلة قدر المتاح".
تؤثر طريقة تحضير الطعام بشكل مباشر على محتواه من السعرات الحرارية والدهون المشبعة. ولذلك، يضع الدكتور مصطفى النجار حظراً تاماً على بعض طرق الطهي التقليدية في العيد، مقدماً البدائل الآمنة. يُمنع تماماً تناول اللحوم المقلية أو المطبوخة بأسلوب يعتمد على "تسبيك" الطماطم مع السمن والزيوت. تعد أفضل الطرق الطبية لتحضير لحم العيد هي المسلوق أو المشوي، بالإضافة إلى الطهي باستخدام البخار حيث تضمن هذه الطرق التخلص من الدهون الزائدة مع الحفاظ على القيمة الغذائية للحم من دون إضافة أعباء كوليسترول جديدة على الشرايين.
يعد طبق الفتة القاسم المشترك على موائد عيد الأضحى ويمثل مزيجاً معقداً من النشويات (الخبز والأرز) والدهون. ولتجنّب حدوث قفزات مفاجئة وحادة في مستويات سكر الدم، يقدم الدكتور النجار الإرشادات التالية. لا يُنصح نهائياً بتناول كميات كبيرة من الفتة، ويضرب استشاري التغذية مثالاً توضيحياً: إذا كان وزن المريض يقارب 70 كيلوجراماً، فإن كمية الأرز أو الفتة الآمنة له يجب ألا تتعدى من 6 إلى 8 ملاعق فقط.
يُفضّل أن تكون النشويات المتناولة قليلة في الكمية وموزعة على فترات متباعدة على مدار اليوم، بدلاً من استهلاك كمية ضخمة في وجبة واحدة تؤدي إلى اضطراب فوري في مستوى السكر. يشدد الدكتور النجار على إلزامية تناول كمية مناسبة من الألياف الغذائية مع الوجبة، والتي تتوافر بكثرة في السلطة الخضراء أو الخضار الطازج، حيث تقوم الألياف بدور حيوي في تقليل الأثر السلبي للنشويات وإبطاء امتصاص السكر، مما يحمي الجسم من الارتفاع المفاجئ.
ينفي الدكتور مصطفى النجار بشدة بعض المعتقدات الشائعة حول قدرة بعض السوائل على حرق الدهون، مؤكداً: "لا يوجد شيء اسمه سائل يحرق الدهون بعد وجبة دسمة. الفكرة الحقيقية في التغذية والنظام الغذائي الصحي هي الاعتدال في كل شيء. فالاعتدال هو مفتاح النجاح، خاصة في التعامل مع الأمراض المزمنة". ومع ذلك، يوصي الدكتور ببعض السوائل الطبيعية التي تُسهم في تحسين الآثار الجانبية الناتجة عن تناول الفتة أو لحم العيد وتحسّن الهضم من دون أن ترفع السكر أو الكوليسترول، وتشمل: الماء، اليانسون، الكركديه البارد، والشاي الأخضر.
يجب التوقف تماماً عن العصائر والمياه الغازية لما تحتويه من سكريات تضر بمريض السكري والقلب. كما يُحظر تناول الشاي أو القهوة مباشرة بعد الوجبات، لأن الكافيين يمنع امتصاص العناصر الغذائية المهمة التي استخلصها الجسم من الطعام. يصحح الدكتور مفهوماً خاطئاً قائلاً: "مقولة آكل وأمشي لن تفيد في شيء. فالجسم لن يحرق الدهون الزائدة التي دخلت إليه بمجرد المشي بعد الوجبة مباشرة. بل إن الاستمرار على ممارسة الرياضة بشكل منتظم ودائم هو ما ينظم عملية الحرق ويحسّن استجابة الجسم".
في ختام حديثه، يوجّه استشاري التغذية العلاجية تحذيراً شديد الأهمية لمرضى السكري والضغط والقلب، مؤكداً أن هناك أعراضاً تشير إلى ارتفاع حاد وغير آمن في مستويات الضغط أو الكوليسترول أو السكر في الدم. إذا شعر المريض بأي منها، يتعين عليه التوقف عن تناول الطعام فوراً والتوجه إلى المستشفى أو الطبيب المعالج. ومن هذه الأعراض: العرق الشديد والمفاجئ، الدوخة وعدم الاتزان، خفقان ملحوظ في ضربات القلب، وآلام شديدة في المعدة، خاصة إذا كانت ممتدة أو مصحوبة بألم في الجزء الخلفي من الظهر.
يختم الدكتور مصطفى النجار نصائحه بعبارة جامعة: "المعدة ليست اختبار تحمل". فلا يمكن للشخص الاستمرار في تناول الطعام حتى يشعر بالألم المبرح في بطنه. الحل يكمن في الاعتدال وتنظيم الوجبات بحيث لا يتم تناول كمية كبيرة دفعة واحدة، بل تقسيم الطعام إلى وجبات صغيرة على مدار اليوم أو الاكتفاء بوجبة واحدة متوسطة يومياً لحماية الجسم من الصدمة التي يتعرض لها فجأة عند استقبال كميات ضخمة من الدهون والسمن واللحوم الدسمة.

