لم تكن رحلة الوطنية للاسكان (ان اتش سي) مجرد اضافة رقمية لقطاع المقاولات. بل كانت تحولا جذريا في فلسفة الاسكان في السعودية. بادارتها اصولا وضواحي سكنية تمثل 20 في المئة من اجمالي مبيعات المنتجات العقارية في المملكة. لتبرز اليوم بوصفها ذراعا تنفيذية ضاربة تترجم الحراك التنظيمي الشامل والقرارات التي قادها ولي العهد الامير محمد بن سلمان لاعادة تنظيم السوق وتحقيق التوازن.
منذ انطلاقتها نجحت الشركة بوضع بصمتها كقائدة للسوق العقارية ومحركا رئيسيا لمستهدفات رؤية 2030.
وتؤكد الشركة مكانتها كركيزة اساسية في برنامج الاسكان أحد اهم برامج الرؤية. والذي يستهدف رفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن الى 70 في المئة بحلول نهاية العقد الحالي.
في هذا السياق، ابدى الرئيس التنفيذي للشركة محمد البطي اعتزازه بالدور المحوري للشركة في اعادة هيكلة القطاع بالكامل لضمان استدامته بعيدا عن الاعتماد الكلي على التمويل الحكومي المباشر. وأشار البطي الى نتائج التقرير السنوي لرؤية 2030 الذي أظهر قفزة تاريخية في نسبة تملك المواطنين للمساكن لتصل الى 66.24 في المئة. متجاوزة بذلك المستهدف المرحلي المحدد سلفا لعام 2025 والبالغ 65 في المئة. مما يعكس تسارع وتيرة الانجاز على الارض.
تعود جذور الوطنية للاسكان الى عام 2016 حين اتخذت الدولة قرارا بإنشاء الشركة بموجب مرسوم ملكي. لتكون بمنزلة الذراع الاستثمارية والتنفيذية لوزارة الاسكان.
لم تكن الانطلاقة مجرد اضافة للقطاع. بل كانت بداية لمرحلة المطور الوطني الذي يتولى ادارة الاصول والمشاريع بمرونة وكفاءة.
وشهد عام 2020 المحطة الابرز في مسيرة الشركة. بصدور امر ملكي يقضي بنقل ملكيتها الى الدولة. مما حوّلها من جهة مساندة الى قائدة للسوق العقارية. برؤية مكّنتها من وضع حجر الاساس لأضخم الضواحي السكنية في المنطقة. لتنتقل من ادارة مجمعات محدودة الى تطوير مدن متكاملة تتجاوز مساحتها 160 مليون متر مربع.
وفي جانب السيطرة على التكاليف، نجحت الشركة عبر منصة سبلاي برو الرقمية في توفير اكثر من 1500 منتج من 129 مصنعا. و45 موردا. وربطهم بالمطورين العقاريين مباشرة. مما ادى الى خفض التكاليف بنسبة 20 في المئة.
كان البطي قد كشف في كلمة له خلال منتدى سلاسل الامداد العقاري عن ان الشركة رفعت نسبة المحتوى المحلي في مشاريعها من خلال اتفاقيات سلاسل الامداد العقاري وتوطين الصناعات والتوريد بقيمة اجمالية تجاوزت 21 مليار ريال. وشملت الجهود توقيع اتفاقيات خدمات سلاسل الامداد بـ8 مليارات ريال. واتفاقيات توطين صناعات بـ5 مليارات ريال. و15 اتفاقية توريد تجاوزت قيمتها 8 مليارات ريال.
من جانبه، افاد المدير العام لسلاسل الامداد ودعم الاعمال للشركة الوطنية للاسكان المهندس معن العثيمين بأن منصة سبلاي برو تمكنت خلال العامين السابقين من الوصول بحجم التعاملات الى ما يتخطى ملياري ريال لخدمة الشركاء والمقاولين. استحوذ المحتوى المحلي على 95 في المئة منها.
تحولت الوطنية للاسكان الى منصة لاحتضان الشركات السعودية. ونقلها من مطورين للمشاريع المحدودة الى قادة للضواحي المليارية. بتوفيرها فرصا استثمارية في التطوير العقاري التجاري والسكني. وتشغيل المرافق الصحية والتعليمية والترفيهية مثبتة ثقتها بالمطورين العقاريين المحليين.
هذا النموذج افرز ضخ اكثر من 300 الف وحدة سكنية متنوعة. حيث اسهم الامان المالي الذي وفّرته الشركة في تحويل شركات تطوير وطنية ناشئة الى كيانات كبرى تدير حاليا مشاريع تتجاوز قيمتها الاستثمارية 263 مليار ريال. مما عزز تنافسية السوق العقارية السعودية وجعلها الاكثر جاذبية في المنطقة.
وتسعى الشركة لتحويل ضواحيها السكنية الحديثة الى معرض دائم للمنتجات السعودية. عبر توقيعها مذكرة تعاون مع هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية. مما يسهم في خلق آلاف الفرص الوظيفية للسعوديين في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية.
ولان هذا التحول نحو المشاريع المليارية وضخ مئات آلاف الوحدات السكنية يتطلب غطاء تمويليا صلبا يضمن استدامته. أكد وزير البلديات والاسكان ماجد الحقيل ان التمويل العقاري اصبح الركيزة الاساسية لنجاح واستدامة التطوير العقاري في المملكة. مشيرا الى ان حجمه قفز تاريخيا من نحو 200 مليار ريال الى اكثر من 900 مليار ريال بنهاية 2025. ليصبح يمثل اليوم 27 في المئة من اجمالي محافظ البنوك السعودية.
وفي سياق تعزيز هذه الملاءة المالية. اوضح الحقيل ان الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري طرحت اصدارات صكوك في سوق لندن المالية. في خطوة استراتيجية لدعم تكامل التمويل والسيولة بين الاسواق المحلية والدولية.
وفي قراءة تحليلية لهذا التحول، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض ان الوطنية للاسكان تلعب دورا تنفيذيا مهما في سياسات الاسكان التي تستهدف تحقيق توازن صحي في السوق العقارية بتطويرها ضواحي سكنية متكاملة. وتوفير اعداد كبيرة من الوحدات السكنية في مواقع مخططة جيدا. مما يسهم في رفع المعروض السكني المنظم.
ويرى المبيض ان التحول الابرز في مسيرة الشركة يكمن في انتقالها من دور المطور التقليدي الى دور الممكّن والحاضن للمطورين؛ حيث طوّرت نموذج عمل فريدا يقوم على توفير الاراضي المطورة والبنى التحتية. مما اتيح للشركات الناشئة المشاركة في مشاريع مليارية واكتساب خبرات تشغيلية حولتها الى كيانات كبرى.
وشدد المبيض على ان نموذج الاستدامة المالية الذي تتبناه الشركة عبر الشراكة مع القطاع الخاص يقلل الاعتماد على الانفاق الحكومي المباشر. ويفتح المجال لتدفق رؤوس الاموال الخاصة. مما يوزع المخاطر الاستثمارية. ويعزز كفاءة تنفيذ المشاريع.
وفي نهاية المطاف، اثبتت الوطنية للاسكان ان تفوقها لم يكن وليد الصدفة. بل نتاج استراتيجية واضحة حوّلت التحديات التمويلية الى فرص استثمارية مستدامة. ومع اقتراب المملكة من تحقيق كامل مستهدفات رؤية 2030، لا تقتصر اهمية الشركة على بناء الوحدات السكنية. بل صياغتها نموذجا اقتصاديا مرنا يقود فيه القطاع الخاص والمحتوى المحلي قاطرة التنمية العقارية.

