في عام 2006، ابتكر مهندس البرمجيات الأمريكي أزا راسكين مفهوماً جديداً في عالم تصميم الواجهات. وقرر أن يترك هذا الابتكار دون براءة اختراع ومفتوح المصدر، مما جعل استخدامه متاحاً للجميع. لكنه لم يدرك أن ابتكاره سيؤدي إلى كوارث نفسية لاحقاً، ويكون السبب الرئيسي في انتشار إدمان منصات التواصل الاجتماعي بين المستخدمين في كافة الأعمار.
ويقف راسكين خلف ابتكار تقنية "التمرير اللانهائي"، التي يندم كثيراً على ابتكارها، ولكن بعد فوات الأوان، إذ أصبحت في السنوات الأخيرة جزءاً محورياً من تصميم أي شيء يمكن استخدامه على الإنترنت، بدءاً من منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"فيسبوك"، وحتى تصميم المتاجر الإلكترونية والمواقع الإخبارية والعلمية.
ورغم الأضرار الكبيرة التي تسببت فيها ميزة التمرير اللانهائي، فإن راسكين لم يكن يحمل أي نوايا سيئة أو خبيثة، وكان غرضه الأساسي مساعدة المستخدمين فقط.
وأوضح راسكين أن الفكرة الرئيسية وراء مفهوم التمرير اللانهائي كانت مساعدة المستخدمين وتوفير وقتهم، حتى لا يضطروا للضغط على أي زر في صفحة الويب أو تحديث الصفحة بحثاً عن المعلومات الجديدة.
ويحتاج المستخدم فقط إلى التوجه لأسفل الصفحة حتى تبدأ المزيد من المنشورات والمعلومات بالظهور دون انقطاع، مما يوفر عليه الوقت ويبقيه مهتماً بالمنصة.
وقد آثر راسكين آنذاك ألا يسجل الابتكار الخاص به ويحصل على براءة اختراع، وبدلاً من ذلك شارك المشروع كتقنية مفتوحة المصدر مع "غوغل" و"تويتر" خلال المراحل الأولى لنشأة منصات التواصل الاجتماعي.
وبحلول عام 2013، أدرك راسكين فداحة خطئه، وكيف أن التقنية التي ابتكرها لمساعدة المستخدمين أصبحت سلاحاً يُستخدم ضدهم، ويبقيهم مأسورين أمام شاشات هواتفهم طوال الوقت. ويؤكد راسكين أثناء ظهوره في أحد البرامج الإذاعية بشبكة "إن بي آر" الإخبارية الأمريكية أن الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات يعلمون جيداً بمخاطر تقنية التمرير اللانهائي، ولكنهم قرروا استخدامها على أي حال.
ويضيف قائلاً: "الحوافز تغلب النوايا"، وذلك في إشارة واضحة لاهتمام إدارات منصات التواصل الاجتماعي بتحقيق الأرباح دون الاهتمام بالنية الأساسية لتطوير التقنية أو حتى التأثيرات الاجتماعية.
وفي عام 2018، شارك راسكين في تأسيس مركز التكنولوجيا الإنسانية، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بمعالجة أضرار تصميمات شركات التكنولوجيا العملاقة التي تستحوذ على الانتباه، بما في ذلك التمرير اللانهائي والموجزات الخوارزمية.
ووفقاً لأبحاث المركز، فقد ضاعف التمرير اللانهائي تفاعل المستخدمين مع المحتوى ثلاث مرات تقريباً. وبينما لا توجد إحصائيات عامة تُظهر المدة التي يقضيها المستخدمون في التمرير على تطبيق واحد، فمن المرجح أنه لولا هذه التقنية لما كان هناك ما يُعرف بالتمرير السلبي، وهو التصفح القهري للمحتوى السلبي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي محاولة للحد من هيمنة خاصية التمرير اللانهائي، تواصل راسكين وزملاؤه مع جميع شركات التكنولوجيا الكبرى وقدموا إحاطات للمسؤولين في أمريكا، وأعدوا دورات تدريبية. كما أدلى راسكين بشهادته ضد شركة ميتا في قضية رُفعت مؤخراً أمام محكمة نيو مكسيكو، والتي أدانت مالكة فيسبوك وإنستغرام وواتساب بتهمة تعريض الأطفال للخطر، وأُمرت ميتا بدفع 375 مليون دولار للولاية.
وتكشف حلقة "إن بي آر" أن شركات التكنولوجيا لم تتوقف عند تصميم راسكين، بل سعت إلى تحسينه وإضافة المزيد من المزايا المكملة له التي تجعل نتائجه أفضل في جذب وأسر انتباه المستخدمين، بما فيها ميزة التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو.
وتعد التقنية التي ابتكرها راسكين حجر الأساس لولادة ظاهرة نفسية جديدة تُدعى التمرير السلبي أو "دوم سكرولينغ"، كما يحب علماء النفس أن يطلقوا عليها، حيث ينخرط المستخدم في دورة من التصفح القهري للمحتوى السلبي على منصات التواصل دون القدرة على التوقف.
وتساهم كل هذه التقنيات في أسر اهتمام المستخدمين وجعلهم ملتصقين بشاشاتهم، وهو الهدف النهائي لمنصات التواصل الاجتماعي التي تحقق أرباحها عبر عرض مجموعة من الإعلانات داخل منصاتها المختلفة.
وتمثل عوائد الأرباح الدافع الأكبر للمستثمرين وحملة الأسهم للاهتمام بمنصات التواصل الاجتماعي والاستثمار بها، لتنجح بذلك تلك المنصات في تحويل انتباه المستخدمين إلى سلعة تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات.
ويؤكد راسكين في حديثه مع "صنداي تايمز" أن مصلحة إدارة منصات التواصل الاجتماعي أن تكون ملتصقاً بشاشتك لأكبر فترة ممكنة، موضحاً: "إن لم تكن موجوداً فلن تتمكن من التأثر، ولن يمكنهم تحقيق مكاسب مادية من ورائك".
تسببت تقنية التمرير اللانهائي وظاهرة التمرير السلبي في أضرار نفسية كبيرة على كل مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، وفق تقرير شبكة "سي إن بي سي" الإخبارية.
ويؤكد التقرير أن هذه التقنيات تسببت في ولادة ظاهرة نفسية جديدة تُطلق عليها اسم "دماغ الفشار"، فضلاً عن ظاهرة العفن الدماغي التي تصدرت عناوين الصحف في الآونة الأخيرة.
ويصف تقرير "سي إن بي سي" ظاهرة دماغ الفشار بأنها اللحظة التي تعتاد أدمغتنا فيها على التدفق المستمر من المعلومات المثيرة، مما يجعل النظر بعيداً عنها والانفصال عن الأجهزة أمراً صعباً، فيتسبب ذلك في قفز أفكارنا وانتباهنا بشكل سريع ومستمر من نقطة إلى أخرى.
وتسبب هذه الحالة في جعل المهام اليومية التقليدية والمعتادة شيئا مملا للغاية لدرجة يصعب القيام بها بسبب غياب المكافأة الفورية على هذه الأعمال.
ويربط طبيب الأعصاب في مؤسسة "هنري فورد هيلث" في ولاية ميشيغان الدكتور بايبينغ تشين بين أثر التمرير اللانهائي ونظام الدوبامين الموجود في عقول البشر، ويضيف بأن أثر التمرير اللانهائي لا يختلف تماماً عن أثر القمار، حيث أنك في كلتا الحالتين لا تعرف ماذا سيظهر أمامك في الخطوة التالية مما يؤثر على الدوبامين في عقلك بشكل كبير ويجعلك تستمر في العودة.
وتؤكد الطبيبة والمؤلفة في جامعة هارفارد أديتي نيروركار أن أثر التمرير اللانهائي لا يحدث بسبب ضعف الشخص أو كون دماغه معطوب، بل هو نتيجة لرغبة بدائية غير مفيدة للتمرير، وهي الرغبة ذاتها التي استفادت منها الشركات التقنية في تصميم التقنية.
ويشير تقرير "صنداي تايمز" إلى أن هذا الأثر يصبح أكثر خطورة على الأطفال، إذ قد يتسبب في تأخر نمو القشرة الأمامية لهم، وهو الجزء الذي يساعد الطفل على تنظيم عواطفه والتحكم فيها.
ويتسبب هذا الأمر في النهاية بجعل الأطفال غير مرتاحين للقيام بالوظائف الأساسية والمحورية ليومهم مثل تناول الطعام أو التحدث إلى شخص ما، فضلاً عن ارتفاع المشكلات الصحية العقلية مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل والأفكار الانتحارية.
وينصح المؤلف واستشاري طب الأطفال في مستشفى ليستر للأطفال الدكتور سانجيف نيتشاني الآباء بالبدء بخطوات صغيرة في محاولة لفصل أطفالهم عن الإنترنت، وذلك عبر اتباع خطوات تدريجية تبدأ عند منع الأطفال من استخدام الهواتف فور استيقاظهم من النوم، ثم تقليص الاستخدام تدريجياً لمدة ساعتين في أيام الأسبوع حتى ينتهي تماماً، فضلاً عن ممارسة الأنشطة البدنية باستمرار، وهي ما تحفز التعافي من إدمان الهواتف المحمولة.

