في قلب سوق أم درمان العريق في العاصمة السودانية، يقف عادل الهادي داخل جزارته في انتظار الزبائن. كان من بين أوائل التجار الذين عادوا إلى السوق عقب استعادة الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم، ليصبح اسمه مرتبطا ببداية مرحلة جديدة في تاريخ أكبر سوق في السودان. يروي عادل معاناته بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
قال التاجر السوداني إنهم تعرضوا لخسائر يومية في اللحوم تقدر بقرابة 3 ملايين جنيه (نحو 5 آلاف دولار). بالنسبة له، لم يعد يحتمل تكاليف أي خسارة أخرى. فالكهرباء التي كانت شريانا أساسيا لحفظ البضائع وضمان استمرار النشاط التجاري تحولت اليوم إلى غياب يثقل كاهلهم بالخسائر ويجبرهم على البحث عن حلول مكلفة مثل المولدات أو الطاقة الشمسية.
قصة الهادي ليست حالة فردية، بل هي لسان حال عشرات تجار سوق أم درمان الذين يشكون واقعا يؤرق مضاجعهم. وانعكست هذه الأزمة على حركة السوق بأكمله، فتراجعت أعداد الزبائن وضعفت القدرة الشرائية، فيما ارتفعت أسعار السلع بسبب زيادة تكاليف التشغيل.
وفرض انقطاع الكهرباء واقعا جديدا أصبح يعتمد فيه تجار المواد الغذائية ومحال اللحوم والألبان والصيدليات على المولدات الكهربائية التي تحتاج إلى الوقود لتشغيلها، ما يعني زيادة في التكاليف التشغيلية التي تؤدي بحسب التجار إلى زيادة أسعار السلع وتحميل التكاليف الإضافية للمستهلك.
وفي جولة ميدانية في سوق خليفة، بدت آثار الأزمة أكثر وضوحا على المحلات. قال محمد الخاتم، وهو تاجر مواد غذائية، إن الأزمة تجاوزت تلف السلع إلى تعطل المعدات ذاتها. أوضح الخاتم أن قطوعات الكهرباء المتكررة وعدم استقرارها تسببت في تعرض ثلاجات المحل لأعطال جسيمة، حيث تكبد تكاليف صيانة وإصلاح تُقدَّر بحوالي مليون جنيه (نحو 1667 دولارًا). وأضاف أن هناك أصنافا من المواد الغذائية ومشتقات الألبان التي تعتمد على التبريد المستمر توقف عن توفيرها لتفادي مخاطر تلفها.
من جهة أخرى، يرى محمد علي، صاحب جزارة بأحد أسواق العاصمة، أن انقطاع التيار الكهربائي أصبح يؤثر بشكل مباشر على نشاطهم التجاري، حيث أدى إلى انخفاض إقبال المواطنين على شراء اللحوم. أوضح علي أن القطوعات تستمر لفترات تصل إلى ثماني ساعات يوميا، مما اضطرهم إلى تقليل الكميات المعروضة من اللحوم لتفادي تلفها نتيجة ضعف التخزين.
تجاوزت أسعار اللحوم مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ سعر كيلو اللحم العجالي أكثر من 40 ألف جنيه (66 دولار)، فيما وصل سعر كيلو الضأن إلى نحو 50 ألف جنيه (83 دولار). يعزو تجار اللحوم هذا الارتفاع الحاد إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج نتيجة زيادة أسعار الوقود، وتراجع المعروض بسبب نقص السيولة النقدية بعد قرارات تبديل العملة، إضافة إلى ضعف القوة الشرائية للمواطنين.
يرى الخبير الاقتصادي محمد الناير أن أزمة الطاقة في أسواق العاصمة تحولت إلى "مقصلة" تلتهم القطاع التجاري عبر مسارين: تلف السلع وشل الحركة، وتكبد قطاع المواد الغذائية والمجمدات والصيدليات خسائر مباشرة نتيجة فساد المواد بسبب ارتفاع الحرارة. والكلفة التشغيلية البديلة، حيث فرض انقطاع التيار الكهربائي الاعتماد على المولدات والطاقة البديلة، ما يعني استهلاكا يوميا للوقود وتحمل نفقات إضافية باهظة.
قال الناير إن على الدولة الإسراع في معالجة أزمة التيار الكهربائي عبر خطة شاملة متعددة المسارات. أوضح أن أولى الخطوات تتمثل في تحسين شبكات الكهرباء القائمة ورفع كفاءتها، بما يضمن تقليل الأعطال والانقطاعات المتكررة. كما شدد على ضرورة إنشاء محطات طاقة بديلة، سواء عبر التوسع في الطاقة المائية أو إدخال تقنيات حديثة للطاقة الحرارية.
ودعا إلى تسهيل إجراءات إدخال الطاقة الشمسية عبر الإعفاءات الجمركية وتبسيط القوانين التي تعيق استيراد المعدات. اعتبر أن الطاقة الشمسية تمثل خيارا عمليا وفعالا لحل أزمة الكهرباء. أضاف أن هذه الإجراءات ستساهم في استقرار الأسعار وتخفيف الضغط على المواطنين.
أوضح المدير العام للشركة السودانية للكهرباء، عبد الله أحمد محمد، أن الحرب المندلعة بين الجيش وقوات الدعم السريع ألحقت دمارا واسعا بالبنية التحتية للكهرباء، حيث خرجت محطات رئيسية عن الخدمة بشكل كامل. أكد المسؤول السوداني أن هذه الأضرار جعلت الشبكة غير مستقرة وعاجزة عن تلبية الطلب، وهو ما أدى إلى انقطاعات طويلة ومتكررة في معظم ولايات السودان.
أضاف أن إعادة بناء الشبكة الكهربائية باتت ضرورة ملحة، وأن الإدارة تعمل بجهود حثيثة لإصلاح الأعطال الطارئة وإعادة تشغيل المحطات المتضررة، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب حجم الدمار الذي خلفته الحرب. أكد خبراء اقتصاديون أن حجم التدمير في العاصمة الخرطوم وحدها بلغ نحو 3 مليارات دولار، مما جعل قطاع الكهرباء أحد أبرز القطاعات المتأثرة جراء الحرب.
باتت أزمة الكهرباء جزءا من الحياة اليومية، حيث يصل متوسط ساعات الانقطاع في بعض الولايات إلى نحو 12 ساعة يوميا، بينما تتراوح في العاصمة الخرطوم بين 8 و10 ساعات، مما أدى إلى شلل في الأسواق. أصبح التجار يعتمدون على المولدات أو الطاقة البديلة لتسيير أعمالهم، ما يضاعف التكاليف التشغيلية بشكل كبير. وفق تقارير رسمية، تجاوز معدل التضخم في السودان 80% خلال عام 2025 قبل أن ينخفض إلى نحو 40% في مارس/آذار 2026.
ورغم التراجع النسبي في معدلات التضخم، فإن تكلفة تشغيل المولدات ما زالت تمثل عبئا ثقيلا على التجار والمستهلكين، حيث تتراوح أسعار شرائها بين نصف مليون جنيه (833 دولار) و20 مليون جنيه (33 ألف و321 دولار) حسب السعة، بينما تصل تكلفة تأجير المولد الواحد إلى نحو 50 ألف جنيه يوميا (83 دولار).

