أمضت شركة أنثروبيك الأمريكية الأشهر الماضية منذ الكشف عن أحدث ابتكاراتها في الذكاء الاصطناعي تحت اسم "كلود ميثوس"، حيث حذرت من القدرات السيبرانية للنموذج الجديد والمخاطر التي يحملها من ناحية الأمن السيبراني. وأوضحت الشركة أنها ابتكرت مشروعا جديدا أطلقت عليه اسم "غلاس وينغ" ومنحت 50 شركة ومؤسسة عالمية وصولا مباشرا للنموذج.
وأثارت تلك المخاوف هالة من السرية والخطورة حول "ميثوس"، حتى استطاعت مجموعة من القراصنة الوصول إلى النموذج واستخدامه. وقررت أنثروبيك أن تطلقه للمشتركين في خدماتها دون كلفة إضافية لفترة مؤقتة، وهو الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول النموذج وخطورة طرحه للجمهور وفق تقرير وكالة بلومبيرغ الأمريكية.
ورغم أن "ميثوس" يعد خطرا لدرجة جعلت أنثروبيك تتأنّى في طرحه للجمهور، حيث آثرت أن تمنح المؤسسات المالية والشركات والحكومات وصولا مسبقا إلى النموذج، فإن السؤال يبقى: لماذا تطرحه الآن؟
ينتمي نموذج "كلود ميثوس" إلى فئة نماذج الذكاء الاصطناعي ذات الاستخدام العام، والتي توفر قدرات أعلى من غيرها في عدة قطاعات وعلى عدة مستويات مختلفة، بما في ذلك قطاع البرمجة والأمن السيبراني وفق تقرير "بلومبيرغ".
وبفضل هذه القدرات، يستطيع "ميثوس" فحص الأكواد البرمجية للشركات والمؤسسات البنكية وغيرها بحثا عن الثغرات، ثم بناء أدوات اختراق قادرة على استغلال هذه الثغرات التي تكون عادة من فئة "زيرو داي". أي أن "ميثوس" يكون أول من عثر عليها.
ويفيد تقرير "بلومبيرغ" بأن المؤسسات التي شاركت في الوصول المحدود لنموذج "ميثوس" تمكنت من العثور على آلاف ثغرات "زيرو داي"، بما فيها ثغرات في كافة متصفحات الإنترنت البارزة وثغرات أيضا في أنظمة التشغيل المختلفة، وهي ثغرات لم تدرك الشركات وجودها إلا بعد تجربة "ميثوس".
ويعزز "ميثوس" المخاوف الموجودة لدى المؤسسات المالية والخبراء من قدرات الأمن السيبراني التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي، مما يجعله يشكل تهديدا حقيقيا حال وقوعه في الأيدي الخاطئة وفق تقارير سابقة.
وكشف تقرير صحيفة "غارديان" عن انتقادات موجهة ضد أنثروبيك بسبب نموذج "كلود ميثوس" منذ ظهوره للمرة الأولى، إذ يرى بعض الخبراء أنها بالغت في وصف قدرات "ميثوس". وتظهر وجهة النظر هذه بوضوح في مشاركات الخبراء عبر منصات التواصل الاجتماعي المخصصة لخبراء البرمجة مثل "ميديوم" و"ريديت"، حيث يرى البعض أن السردية التي تروج لها "أنثروبيك" تبالغ في قوة النموذج بشكل لا يتناسب مع قدراته التي ظهرت.
وعلى النقيض، تؤكد الشركات والحكومات التي تمكنت من الوصول إلى "ميثوس" قبل طرحه للجمهور أن قدراته والمخاوف الناتجة عنه حقيقية بشكل كبير، حيث تمكنت الشركات من العثور على آلاف الثغرات باستخدام النموذج وإصلاحها. كما أكدت حكومة الولايات المتحدة على قدرات النموذج رغم توتر العلاقة بين حكومة الرئيس الأمريكي ترامب و"أنثروبيك".
أوضحت ديان بن، رئيس قسم إدارة المنتجات في شركة أنثروبيك، أثناء محادثتها مع موقع "وايرد" التقني الأمريكي، أن الشركة أمضت الأشهر الماضية في مواجهة مسألة كيفية التعامل مع قدرات النموذج على اكتشاف الثغرات الأمنية ومزاياه المتقدمة الأخرى. وهو ما أوصلهم في النهاية إلى طرح نسخة مخففة من النموذج للجمهور مع الحفاظ على النسخة الأكثر قوة بشكل حصري للشركات.
لذلك قامت الشركة بطرح نسخة تدعى "كلود ميثوس فابل 5"، وهي نسخة مخففة من "ميثوس 5" تحمل كافة قدرات النموذج ولكن مع قيود أمنية أكثر صرامة. وتمنع هذه القيود من قدرات "ميثوس" في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالأمن السيبراني أو الأمن الحيوي بشكل عام، حيث ينتقل النموذج تلقائيا إلى "أوبس 4.8" للإجابة على هذه الأسئلة.
وأكدت بن لموقع "وايرد" أن هذا التوجه كان الأفضل بين جميع الحلول المطروحة، فهو يضمن للمستخدمين الحصول على كافة قدرات "ميثوس" ولكن بشكل آمن لا يمثل خطرا حقيقيا.
يعكس طرح "فابل 5" الآن التوتر التجاري الذي تعيشه شركة "أنثروبيك"، حيث تسعى من جانب لطرح أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لجذب المستخدمين والشركات من مختلف الفئات، وفي الوقت نفسه تخشى الآثار السلبية لمثل هذه النماذج. وتواجه "أنثروبيك" ضغطا شديدا من منافسيها، وفي مقدمتهم "أوبن إيه آي" الأمريكية مطورة "شات جي بي تي"، التي أعلنت في وقت سابق اتباعها إستراتيجية جديدة تستهدف عملاء الشركات بدلا من الأفراد في محاولة مباشرة لمنافسة "أنثروبيك".
لذلك احتاجت الشركة لطرح أقوى نماذجها من أجل تعزيز مكانتها في قطاع الذكاء الاصطناعي والحفاظ على عملائها من الانتقال إلى نماذج وشركات أخرى. كما يتزامن طرح النموذج مع اقتراب طرح أسهم الشركة في البورصة الأمريكية للمرة الأولى، وقد اقترب تقييم الشركة قبل طرحها في البورصة من 965 مليار دولار وفق تقرير منفصل من وكالة "رويترز" الإخبارية، ويتوقع أن تزداد هذه القيمة فور طرح أسهم الشركة في البورصة.

