اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

تراجع استثمارات النفط وسط تقلبات السوق وارتفاع المخاطر السياسية

{title}

سحب التقلب الحاد في أسعار النفط العالمية جزءا كبيرا من سيولة السوق هذا العام. في وتيرة تصفها بيانات السوق بأنها الأسرع على الإطلاق. مع تزايد حذر المستثمرين من ضخ أموال جديدة في أصل بات يتحرك على وقع التصريحات السياسية السريعة بشأن الحرب على إيران.

أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن المراكز المفتوحة في عقود خام برنت الآجلة تراجعت بنحو 17% منذ بداية العام. وهو أسرع انخفاض منذ 2009 على الأقل. ويعكس هذا المؤشر أحد أهم مقاييس السيولة في سوق النفط. فكلما انخفض عدد العقود المفتوحة تراجعت قدرة السوق على استيعاب أوامر البيع والشراء الكبيرة من دون تحركات حادة في الأسعار. وزادت احتمالات أن تؤدي الأخبار السياسية أو العسكرية إلى قفزات أو هبوط مفاجئ.

تراجعت أسعار النفط اليوم بنحو 3%. إذ انخفض خام برنت إلى نحو 87.3 دولارا للبرميل. بعد أن لامس أدنى مستوى في نحو شهرين. مع تبدل توقعات المتعاملين بشأن احتمالات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مسارات الإمداد عبر مضيق هرمز.

تسبب انكماش السيولة في حالة الإرهاق التي أصابت المستثمرين بسبب الرسائل المتناقضة الصادرة عن الرئيس الأمريكي. بين التهديد بتصعيد عسكري ضد طهران ثم الحديث بعد ساعات عن اقتراب اتفاق سلام.

نقلت تقارير عن مسؤول تنفيذي كبير في أحد مكاتب التداول قوله إن المستثمرين "مرهقون من هذه الفوضى". مضيفا أنه لا يمكن تداول العقود الآجلة في بيئة تتغير فيها الرسائل بين ساعة وأخرى من دون تكبد خسائر مستمرة.

لا تعني السيولة المنخفضة فقط تراجع اهتمام المضاربين. بل تغير طبيعة السوق نفسها. إذ يجد المشترون والبائعون صعوبة أكبر في إيجاد أطراف مقابلة عند الأسعار المرغوبة. ما يوسع الفجوة بين الأسعار المعروضة والمطلوبة. ويجعل كل خبر قابلا لإحداث حركة سعرية أكبر من المعتاد.

تزداد هذه الحساسية لأن سوق النفط لا تواجه عاملا واحدا. بل مزيجا من الحرب ومخاطر الشحن واضطراب الإمدادات وتوقعات الطلب العالمي وقرارات أوبك بلس. فضلا عن الإشارات المتضاربة من واشنطن وطهران.

يبقى مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة. إذ تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت نحو 20 مليون برميل يوميا. بما يعادل حوالي 20% من استهلاك العالم من النفط والسوائل البترولية.

توضح الإدارة أن حركة الشحن المحدودة عبر المضيق دفعت منتجين في الشرق الأوسط إلى خفض إنتاج الخام بأكثر من 11 مليون برميل يوميا. ما تسبب في سحب كبير من المخزونات العالمية لتلبية الطلب.

عادة ما تؤدي مثل هذه الصدمات إلى ارتفاع أسعار النفط. لكن ما حدث هذا العام بدا أكثر تعقيدا؛ فقد قفزت الأسعار في مراحل التصعيد ثم هبطت بقوة كلما ظهرت إشارات إلى قرب تسوية سياسية أو عودة محتملة للملاحة الطبيعية عبر هرمز.

يتحدث المدير السابق لشؤون السلع الأولية في غولدمان ساكس عن فكرة "عزوف رأس المال" قائلا إن السبب الحقيقي لعدم استقرار النفط عند مستويات أعلى من 100 دولار للبرميل ليس وفرة المعروض. بل أن الضبابية السياسية جعلت النفط أصلا لا يمكن الاحتفاظ به بسهولة.

كتب كوري على منصة التواصل الاجتماعي أن انخفاض المراكز المفتوحة هو الأسوأ على الإطلاق. مشيرا إلى أن ما يحدث ليس شبيها بعام سابق حين فرضت صدمات الفائدة والعقوبات خروجا قسريا من السوق. بل يمثل هذه المرة انسحابا طوعيا لرأس المال.

تحاول أوبك بلس إدارة السوق عبر زيادات محدودة ومدروسة. إذ أعلنت سبع دول في التحالف تعديل إنتاجها بالزيادة 188 ألف برميل يوميا. ضمن العودة الجزئية للتخفيضات الطوعية السابقة.

لكن تأثير هذه الزيادة يبقى محدودا أمام حجم الاضطراب الناجم عن الحرب ومخاطر الشحن. خصوصا إذا استمرت قيود المرور في هرمز أو ظلت شركات التأمين والشحن تتعامل مع المنطقة باعتبارها منطقة عالية المخاطر.

على جانب الطلب، خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها. وقالت إن الطلب العالمي على النفط قد ينكمش بنحو 80 ألف برميل يوميا بسبب الحرب. في تحول كبير عن توقعات سابقة كانت تشير إلى نمو الطلب.

توقعت الوكالة أن يشهد الربع الثاني انخفاضا بنحو 1.5 مليون برميل يوميا في الطلب. وهو أكبر هبوط فصلي منذ جائحة كورونا. مع تركز التراجع في الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادي، خصوصا في وقود الطائرات والغاز النفطي المسال والنافثا.

في الأسواق العادية، تمنح بيانات المخزونات والإنتاج والطلب المتعاملين أرضية لتسعير النفط. أما في الوضع الحالي، فإن تغريدة أو تصريحا سياسيا أو تسريبا عن مفاوضات قد يغير مسار السوق خلال دقائق.

تخلق هذه البيئة دائرة مفرغة؛ فالتقلب يدفع المستثمرين إلى الخروج. وخروج المستثمرين يخفض السيولة. وانخفاض السيولة يجعل التقلب أشد عند ظهور أي خبر جديد. وهو ما يزيد عزوف الأموال عن العودة.