شهد النصف الأول من عام 2026 تحولا إستراتيجيا لافتا في مسار الصراع الروسي الأوكراني. حيث انتقلت مركزية المواجهات من خطوط التماس المباشرة إلى استهداف مكثف ومتبادل للبنية التحتية للطاقة والنفط في عمق كلا البلدين. وأظهر تحليل البيانات الجغرافية للاستهدافات الموثقة لمنشآت الطاقة وجود فارق واضح في استراتيجيات الهجوم.
وفي هذا السياق، عملت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة على إعداد خريطة توضح أماكن استهدافات الطاقة المرصودة. وشملت الخريطة نحو 40 موقعا حيويا ممتدا من رقعة خليج فنلندا وبحر البلطيق شمالا وصولا إلى شواطئ البحر الأسود وبحر آزوف جنوبا. وأشار تحليل البيانات إلى أن الاستهداف الأوكراني داخل روسيا ركز على توجيه ضربات بالمسيرات الانتحارية لمسافات تتجاوز أحيانا 1100 كيلومتر عن الحدود.
وأوضحت المؤشرات أن بنك الأهداف الأوكراني تركز بشكل أساسي على مصافي تكرير النفط وخزانات الوقود الضخمة ومحطات الضخ المركزية، إضافة إلى موانئ التصدير الإستراتيجية. في المقابل، مال الاستهداف الروسي داخل أوكرانيا بشكل ملحوظ نحو الأهداف ذات الطبيعة الميدانية المرتبطة بالاستهلاك المحلي المباشر.
وكشف تحليل بيانات للاستهدافات التي رصدتها وحدة المصادر المفتوحة عن نمط من الهجمات المتكررة على منشآت روسية بعينها. وتعد مصفاة نفط "توابسي" من أكثر الأهداف التي تعرضت لضربات متتالية، نظرا لكونها المصفاة الكبرى الوحيدة لروسيا على سواحل البحر الأسود.
وفي العاصمة الروسية، تعرضت مصفاة موسكو (كابوتنيا) لسلسلة ضربات متقاربة، حيث رصد اندلاع حريق ضخم فيها بعد استهدافها بمسيرات، مما أسفر عن انفجارات متتالية طالت خزانات رئيسية. ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاستهداف بأنه رد مبرر.
وفي إقليم كراسنودار، تم استهداف محطة "تامانيفتيغاز" في مطلع مايو/أيار، وكررت الضربات الأوكرانية تدمير خزاناتها في يونيو/حزيران. بينما في ذات الإقليم، رصدت صور الأقمار الصناعية دمارا واسعا في مستودع "أوست-لابينسك" وتضرر عدد من خزانات الموقع.
وثقت صور الأقمار الصناعية أضرارا هيكلية ومؤشرات واضحة تكشف مدى تأثير الهجمات على استمرار تشغيل المنشآت التي طالتها. ففي مقاطعة فولغوغراد، أظهرت الصور الملتقطة دمارا هيكليا وتفحما كاملا لخزان نفطي عملاق داخل محطة الإنتاج والتوزيع "كراسني يار". وأكدت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية أن عملياتها أسفرت عن اشتعال النيران في خزانين للنفط.
على جبهة بحر آزوف، طال الدمار منشآت نفطية في خليج "ستريليتسكا". كما استهدفت الضربات الأوكرانية المعابر الحيوية لتقطيع أوصال خطوط الإمداد العسكري نحو شبه جزيرة القرم. لكن السلطات الروسية سارعت إلى إيجاد حلول هندسية بديلة، منها إقامة معابر عائمة مؤقتة.
أمام هذا التوسع الجغرافي للهجمات الأوكرانية، أقرت موسكو بتأثر قطاع الطاقة لديها، حيث أشار نائب رئيس الوزراء الروسي إلى تراجع إنتاج النفط. وبرر هذا الانخفاض بالدخول في "أعمال صيانة غير مخطط لها"، وهو ما يتقاطع مع المصافي المعطلة بفعل الهجمات. وتظهر المعطيات أن حرب البنية التحتية الحالية تضع كلا الطرفين أمام تحديات لوجستية واقتصادية معقدة.

