اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

الكهرباء والذكاء الاصطناعي: سباق الخليج وأفريقيا لمراكز البيانات

{title}

قال خبراء إن النفط كان عصب الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، لكنهم لم يتوقعوا أن يعيد رسم خريطة النفوذ والثروة لعقود طويلة. أضافوا أن الدول التي امتلكت الطاقة حصلت على الاستثمار والصناعات وموقع متقدم في النظام الاقتصادي الدولي. اليوم، وبينما يتسارع سباق الذكاء الاصطناعي حول العالم، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة.

أوضح الخبراء أن الثروة الجديدة لا تُستخرج من باطن الأرض، بل تُنتج داخل منشآت مترامية الأطراف تضم آلاف الخوادم والمعالجات، وتستهلك كميات ضخمة من الكهرباء والمياه. هذه هي مراكز البيانات العملاقة التي تحولت في سنوات قليلة إلى البنية التحتية الأكثر أهمية للاقتصاد الرقمي، وراهنة إستراتيجية للدول الساعية إلى حجز موقع لها في عصر الذكاء الاصطناعي.

بينما تتصدر دول الخليج سباق الاستثمارات الرقمية في المنطقة، بدأت أسواق أفريقية صاعدة مثل كينيا ونيجيريا والمغرب تطرح نفسها كوجهات واعدة لمراكز البيانات بفضل وفرة الطاقة المتجددة وتسارع التحول الرقمي. ومن خلال هذين المسارين، تتشكل ملامح خريطة جديدة للنفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط وأفريقيا.

يشهد العالم اليوم توسعا سريعا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنماذج التوليدية، مما يفرض ضغوطا متزايدة على مراكز البيانات وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد. ومع تزايد الطلب على القدرات الحاسوبية، لم يعد تطوير البنية التحتية الرقمية خيارا تقنيا، بل أصبح شرطا أساسيا لاستيعاب النمو الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتقاطع هذا التحول مع طموحات اقتصادية واسعة للتموضع كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي. إذ تتقدر مساهمة القطاع عالميا بما يصل إلى 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033. بينما تتجه الحكومات وصناديق الثروة السيادية إلى ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات العملاقة والشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية، في محاولة للانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج والمشغل للبنية التحتية الرقمية.

لكن هذا التوسع يواجه تحديات هيكلية متصاعدة. وفق تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع "إس آر إم جي ثينك"، تحتاج المنطقة إلى زيادة قدرتها الكهربائية بنحو 40% بحلول عام 2030، بينما تشير الاتجاهات الحالية إلى نمو لا يتجاوز 15%. وتبرز هذه الفجوة قبل احتساب الطلب الإضافي الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما يضع ضغوطا متزايدة على شبكات الكهرباء والموارد المائية ويثير تساؤلات حول قدرة البنية التحتية الحالية على مواكبة هذا التوسع.

أمام هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى التعامل مع مراكز البيانات بوصفها جزءا من منظومة مترابطة تشمل الطاقة والمياه والبنية الرقمية، لا مجرد منشآت تقنية مستقلة. في هذا الإطار، طرح المنتدى الاقتصادي العالمي ما يعرف بـ "مصفوفة الموارد والذكاء"، وهي مقاربة تقوم على مواءمة التوسع في القدرات الحاسوبية مع كفاءة استخدام الطاقة وإدارة الأحمال وتحسين استهلاك الموارد.

ورغم أن دول الخليج تصدرت خلال السنوات الماضية المشهد الإقليمي لمراكز البيانات، فإن عددا من الأسواق الأفريقية بدأ يجذب اهتمام المستثمرين العالميين مع تزايد الطلب على الخدمات الرقمية وتوسع شركات الحوسبة السحابية. يرى سنيهار شاه، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "آي إكس أفريكا داتا سنتر" في كينيا، أن القارة ما تزال في بداية مسار النمو.

يقول شاه إن أفريقيا تضم نحو 18% من سكان العالم، لكنها تمتلك أقل من 1% من البنية التحتية الرقمية العالمية، وهو ما يجعل فرص التوسع هائلة خلال السنوات المقبلة. ويضيف أن أسواقا مثل نيجيريا وكينيا والمغرب بدأت تلحق بجنوب أفريقيا التي استحوذت تاريخيا على الجزء الأكبر من استثمارات مراكز البيانات، مدفوعة بتوسع الخدمات الرقمية وتحسن البيئة التنظيمية وزيادة الاستثمارات في شبكات الاتصال.

تشير تقديرات إلى أن كينيا تعدّ من أبرز المرشحين للاستفادة من هذا النمو بفضل مجموعة من العوامل التي أصبحت أساسية في قرارات شركات الحوسبة السحابية ومشغلي مراكز البيانات، حيث يأتي نحو 93% من إنتاج الكهرباء في البلاد من مصادر متجددة. هذا الأمر يوفر طاقة مستمرة نسبيا وبتكلفة تنافسية مقارنة بعدد من الأسواق الغربية، بالإضافة إلى امتلاكها أحد أكبر قطاعات الطاقة الحرارية الأرضية في العالم.

تعززت جاذبية السوق الكينية مع توسع البنية التحتية للاتصالات، بما في ذلك استثمارات شركات تقنية كبرى مثل "غوغل" و"ميتا" في الكابلات البحرية، إلى جانب أطر تنظيمية مستوحاة من المعايير الأوروبية لحماية البيانات وتوافر كوادر تقنية مؤهلة بتكاليف تنافسية. يشير شاه إلى افتتاح أول منطقة سحابية عملاقة لشركة "أوراكل" داخل منشأة "آي إكس أفريكا داتا سنتر" بقدرة 22 ميغاواطا، باعتبار ذلك مؤشرا على تزايد اهتمام الشركات العالمية بالسوق الكينية وبمنطقة شرق أفريقيا عموما.

يقول شاه إن بعض العملاء باتوا يولون أهمية متزايدة لتنويع مواقع بنيتهم التحتية الرقمية، مضيفا أن الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط واستهداف بعض مراكز البيانات خلال النزاعات دفعت شركات إلى البحث عن بدائل أو مواقع إضافية لاستضافة خدماتها، مما يجعل أسواقا مثل كينيا أكثر جاذبية في نظر عدد من المستثمرين ومشغلي الخدمات السحابية.

في سياق مماثل، يشير شاه إلى أن التحدي الأساسي في أفريقيا لا يقتصر على توفر الطاقة فحسب، بل يمتد إلى موثوقيتها واستقرارها، وهو ما يجعلها عاملا حاسما في تحديد الدول القادرة على التحول إلى مراكز رائدة للذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.

يظهر أن التجربة الكينية تعكس هذا التوازن، إذ ساهم الاعتماد الواسع على الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الحرارية الجوفية، في تعزيز استقرار الإمدادات. تعتبر كينيا سادس أكبر منتج للطاقة الحرارية الجوفية في العالم، إلى جانب خطط حكومية لرفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 10 غيغاواطات خلال السنوات المقبلة.

غير أن الطاقة وحدها لا تكفي. يعتمد المستثمرون العالميون ومزودو الخدمات السحابية على حزمة أوسع من المعايير عند اختيار مواقع مراكز البيانات، تشمل جودة البنية التحتية للاتصالات والربط الشبكي، وسهولة الوصول عبر شبكات النقل، وتوافر الكفاءات التقنية، إضافة إلى مستويات الأمن والاستقرار المادي وانخفاض المخاطر الجيولوجية. هذا التداخل في العوامل يفسر نجاح بعض المناطق داخل العاصمة الكينية نيروبي في جذب الاستثمارات، مقابل تعثر مشاريع أخرى أُطلقت بالقرب من مصادر الطاقة الحرارية الأرضية لكنها افتقرت إلى بنية اتصالات قوية أو بيئة تشغيل متكاملة.

يمثل الشرق الأوسط، ولا سيما دول الخليج، أحد أسرع أسواق مراكز البيانات نموا في العالم، حيث انتقلت المنطقة خلال سنوات قليلة من موقع محدود في البنية التحتية الرقمية إلى لاعب رئيسي في استقطاب استثمارات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. تتصدر الإمارات والسعودية هذا التحول، مدفوعتين بإستراتيجيات تنويع اقتصادي واسعة مثل "رؤية السعودية 2030".

تعزز شركات عالمية مثل "جي 42" و"إس تي سي" و"خزنة" و"داتا فولت" موقع المنطقة كمركز ناشئ للخدمات السحابية عالية الكثافة. وبحسب تقديرات حديثة لسوق مراكز البيانات المشتركة في الشرق الأوسط وأفريقيا، من المتوقع أن يصل حجم السوق إلى نحو 11.1 مليار دولار بحلول عام 2030، مع كون الخليج المحرك الأكبر للنمو الإقليمي، خصوصا في ظل توسع الاستثمارات السيادية في البنية التحتية السحابية وارتفاع الطلب على حلول الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا التفوق المبكر لا يخلو من تحديات متزايدة، فارتفاع درجات الحرارة في المنطقة يزيد من الاعتماد على أنظمة التبريد المكثف، مما يرفع استهلاك الطاقة والتكاليف التشغيلية. كما أن استمرار الاعتماد النسبي على الغاز الطبيعي في تشغيل جزء من البنية التحتية الرقمية يضع ضغوطا إضافية مرتبطة بأهداف الاستدامة وخفض الانبعاثات.

تفرض توسع سياسات توطين البيانات في دول مثل السعودية والإمارات إعادة تشكيل نماذج التشغيل، بحيث لا تعتمد فقط على الجاذبية الاستثمارية، بل أيضا على الامتثال التنظيمي والقدرة على التكيف مع متطلبات سيادية متغيرة. ولذلك لم تعد المنافسة في الخليج قائمة على جذب الاستثمارات فحسب، بل على القدرة على بناء بنية تحتية رقمية عالية الكفاءة تجمع بين السرعة في التوسع، واستقرار الطاقة، والامتثال للمعايير التنظيمية المتشددة.

لم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تقنية تُخزن فيها المعلومات، بل أصبحت بنية تحتية إستراتيجية تتقاطع عندها قضايا الطاقة والمياه والاتصال والسيادة الرقمية. بينما تتنافس دول الخليج والأسواق الأفريقية الصاعدة على جذب استثمارات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الدول القادرة على توفير الموارد اللازمة لتشغيل هذه المنظومة ستكون الأوفر حظا في حجز موقع متقدم في الاقتصاد العالمي الجديد.