أكد كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي بيير أوليفير غورينشاس أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر هبوطية كبيرة إذا لم يصمد وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران. وأضاف غورينشاس أن العولمة لم تمت في وجه الصدمات التجارية الحالية، بل تمر بمرحلة تحول وإعادة تشكيل لسلاسل الإمداد.
وأوضح غورينشاس في مقابلتين منفصلتين مع وكالتي رويترز والصحافة الفرنسية، قبيل مغادرته منصبه الأسبوع المقبل للعودة إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن النزاعات الجيوسياسية وسياسات الرسوم الجمركية التي تنتهجها واشنطن تفرض واقعاً جديداً يتطلب مرونة أعلى من الدول والمؤسسات المالية.
كشف غورينشاس أن عمليات السحب الاستراتيجي السريعة من احتياطيات النفط أسهمت في تجنب قفزة حادة في الأسعار نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث تم سحب 3 في المئة فقط من النفط العالمي من الأسواق، بدلاً من التوقعات الأولية التي تراوحت بين 10 و15 في المئة. ورغم ذلك، حذر المسؤول الدولي من أن هذه الاحتياطيات استنفدت بشكل كبير الآن، مما يقلص هامش المناورة لدى الدول في حال اشتعال الصراع مجدداً وانهيار وقف إطلاق النار.
وفي سياق متصل، لمّح غورينشاس إلى أن الصندوق قد يعود لتقديم "توقعات خط الأساس" التقليدية بدلاً من السيناريوهات الثلاثة التي اعتمدها في أبريل، نتيجة الضبابية التي خلفها إغلاق مضيق هرمز وتجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار.
جمّدت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك يوم الخميس الإجابة عما إذا كان الصندوق سيستمر في سيناريوهات النمو الثلاثة أو يعود إلى توقعات خط الأساس التقليدية. وكانت كوزاك قد ذكرت الشهر الماضي أنه في وقت كان فيه مضيق هرمز لا يزال مغلقاً وأسعار النفط القياسية فوق 100 دولار للبرميل، أن الاقتصاد العالمي يتحول من التوقعات المرجعية الأكثر تفاؤلاً إلى سيناريو معاكس بنمو قدره 2.5 في المئة.
رغم التحولات العميقة، نفى غورينشاس فرضية انتهاء العولمة، مؤكداً أن نسب التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال قوية. ووصف المشهد الحالي بأنه رغبة في خفض مستوى التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، مشيراً إلى أن سلاسل الإمداد بدأت تتكيف بالفعل عبر دخول دول وسيطة مثل المكسيك وفيتنام.
وانتقد كبير الاقتصاديين المغادر تسارع استخدام إدارة ترمب للرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية لحل النزاعات السياسية، قائلاً: "العقوبات والرسوم تمنح قوة تأثير على المدى القصير فقط، لكن الفاعلين على الجانب الآخر يجدون طرقاً للالتفاف عليها أو تسريع ابتكاراتهم أو بناء روابط تجارية جديدة بعيداً عن واشنطن." وأبدى تشككه في قدرة سياسات توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة على زيادة الوظائف، موضحاً أن المصانع الجديدة في الاقتصادات المتقدمة ستعتمد بكثافة على التكنولوجيا وستوظف عمالة أقل.
في قراءته لمستقبل الدول النامية، حذر غورينشاس من خطر وقوع كثير من اقتصادات الأسواق الناشئة في فخ الدخل المتوسط. وأوضح أن النموذج الصيني القائم على التصدير والاستفادة من فوارق التكلفة، الذي كان بمثابة وصفة نجاح منذ التسعينات، لم يعد متاحاً بسهولة اليوم.
واختتم غورينشاس حديثه بالإشارة إلى التحدي الكبير الذي يواجه دولاً كبرى مثل الهند، قائلاً: "في ظل ميل الاقتصادات المتقدمة نحو الانغلاق، واستمرار الصين في تقديم منافسة شرسة في تكاليف التصنيع، يضيق الهامش المتاح أمام الدول الناشئة لاعتماد نموذج نمو قائم على التصدير، مما يترك دولاً كالهند في حالة عدم يقين بشأن القدرة على السير على خطى بكين."

