اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

التخصيص الفائق في التسويق وكيف تتنبأ الخوارزميات برغبات المستهلك

{title}

دخل التسويق الرقمي مرحلة جديدة كليا، حيث أصبحت الشركات تنظر إلى المستهلك باعتباره سلسلة من الاحتمالات المستقبلية، وليس بوصفه مجموعة من البيانات التاريخية.

تسعى هذه الشركات إلى التنبؤ بالسلوك المستقبلي للمستهلك بهدف توقع ما الذي قد يشتريه، ومتى قد يشتريه، وما الظروف التي تدفعه إلى اتخاذ القرار، وما اللحظة المثالية لعرض المنتج عليه.

في هذا العالم الجديد، تتحول البيانات إلى نماذج تنبؤية، وتتحول النماذج التنبؤية إلى أدوات تجارية، بينما يصبح السلوك البشري نفسه مادة لصناعة قائمة على التوقع والاستباق.

يظهر شكل جديد من التسويق يسمى "التخصيص الفائق"، الذي يهدف إلى اكتشاف ما يريده المستهلك قبل أن يعرف هو ذلك، من خلال الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي يحوله من مصدر للبيانات إلى موضوع دائم للتنبؤ.

طوال العقدين الماضيين، اعتاد المستهلك على الإعلانات الموجهة وأنظمة التوصية التي تقترح الأفلام أو المنتجات أو المقالات بناء على ما فعله سابقا. وكانت الفكرة بسيطة نسبيا، فإذا اشترى عدد كبير من المستهلكين منتجا معينا، فإنه قد يكون مناسبا للمستهلكين الآخرين الذين يملكون اهتمامات مشابهة.

ظهرت هذه الفلسفة في مواقع التجارة الإلكترونية ومنصات بث الفيديو والموسيقى، وأصبحت جزءا أساسيا من التجربة الرقمية الحديثة. لكن التوصية التقليدية ظلت مرتبطة بالماضي بسبب ارتباطها بما فعله المستهلك سابقا.

لكن ما يحدث اليوم مختلف جذريا، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بتحليل الماضي، إنما يحاول قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، والانتقال من مرحلة التوصية السلبية إلى التنبؤ الاستباقي برغبات المستهلك قبل أن يدركها هو نفسه.

ينطلق "التخصيص الفائق" من فلسفة تبحث عن ما الذي قد يفعله المستهلك لاحقا بدلا من البحث عن ما الذي فعله سابقا، مستخدما الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية لتقديم تجارب مخصصة تعتمد على بيانات سلوكية دقيقة تتجاوز التخصيص التقليدي القائم على التاريخ الشرائي فقط.

يلعب الذكاء الاصطناعي دورا كبيرا من خلال قدرته على تحليل آلاف الإشارات السلوكية الدقيقة في الزمن الحقيقي وربط آلاف المتغيرات ببعضها البعض، التي تشمل طريقة استخدام الهاتف وساعات النشاط وسرعة التفاعل مع المحتوى والأنماط المتكررة في السلوك اليومي.

وكشف تقرير صادر عن "ماكنزي للاستشارات الإدارية" أن 71% من المستهلكين يتوقعون الحصول على تفاعلات مخصصة من العلامات التجارية، فيما يشعر 76% من المستهلكين بالإحباط عند الحصول على تجارب غير مخصصة أو عامة.

يعتقد الكثير من المستهلكين أن البيانات التي تجمعها المنصات الرقمية تقتصر على ما يكتبونه أو يشترونه أو يبحثون عنه، لكن الواقع أكثر تعقيدا، حيث إن كل نقرة، وكل ثانية يقضيها المستهلك أمام محتوى معين، وكل تردد قبل الضغط على زر الشراء، قد يتحول إلى إشارة قابلة للتحليل.

تستفيد أنظمة الذكاء الاصطناعي من مجموعة واسعة من البيانات، منها سجل التصفح والبحث وتاريخ المشتريات والمواقع الجغرافية وأوقات النشاط والخمول ومدة التفاعل مع المحتوى ونوع الأجهزة المستخدمة وأنماط الاستهلاك الرقمي والتفاعل مع الرسائل والإشعارات.

قد تبدو هذه البيانات عديمة المعنى وغير مترابطة، لكنها تتحول عند دمجها مع الإشارات الأخرى إلى خريطة سلوكية دقيقة يتعامل معها الذكاء الاصطناعي باعتبارها أجزاء من صورة واحدة، مما يتيح بناء نماذج قادرة على اكتشاف أنماط لا يلاحظها البشر.

تشير زيادة وقت التصفح الليلي مع انخفاض التفاعل الاجتماعي وارتفاع استهلاك المحتوى الترفيهي إلى حالة من الإرهاق أو الملل، مما يعني من منظور تسويقي ارتفاع احتمالية الاستجابة لعروض السفر أو الترفيه أو المنتجات المرتبطة بالاسترخاء.

في التسويق التقليدي، كانت الفئات العمرية ومستويات الدخل والمواقع الجغرافية تمثل معايير الاستهداف الأساسية. بينما يركز "التخصيص الفائق" على الحالة العاطفية من خلال "الذكاء الاصطناعي العاطفي" الذي يحاول استنتاج المشاعر من خلال مؤشرات مختلفة، مثل نبرة الصوت، أو تعابير الوجه، أو حتى أنماط الكتابة.

تستخدم شركات، مثل "ريل آيز" (Realeyes)، كاميرات الجهاز لتسجيل الاستجابات الانفعالية للمشاهدين في الوقت الفعلي أثناء تصفح الإعلانات، مقدمة للشركات المعلنة بيانات عاطفية تتجاوز في دقتها كل ما يعبر عنه المستهلك بوعي.

تسعى الشركات إلى بناء "التوأم الرقمي السلوكي"، وهو نموذج افتراضي يحاكي سلوك المستهلك وتفضيلاته وقراراته المستقبلية اعتمادا على البيانات المتاحة.

لا يقتصر دور "التوأم الرقمي السلوكي" على وصف ما يفعله المستهلك، إنما يمتد إلى محاكاة ما قد يفعله لاحقا في ظروف مختلفة، بما يسمح باختبار الاستجابات المحتملة قبل تنفيذ الحملات التسويقية فعليا.

تبني شركة أمازون نموذجا تنبؤيا يحاكي سلوك المستهلك وحياته بمنطقها وتناقضاتها بالاعتماد على البيانات المجمعة من منصة التجارة الإلكترونية، ومساعد "أليكسا"، ومنصة "برايم فيديو"، ومتاجر "أمازون غو".

في حين تغذي "سبوتيفاي" نموذجها التنبؤي بعادات الاستماع اليومية وتغيراتها من أجل تحديد الحالة التي يمر بها المستهلك، مع تقديمها للمحتوى والمنتجات الإعلانية التي تناسب تلك الحالة وترتبط بها سلوكيا.

تمتلك "بيرسادو" (Persado) قاعدة بيانات ضخمة من الكلمات والعبارات المصنفة وفق تأثيرها العاطفي في المستهلك، حيث تحلل الشركة مليارات التفاعلات في قطاع الخدمات المالية لتحديد الكلمات والصياغات التي تدفع المستهلك إلى النقر أو الشراء أو التوقف، مستهدفة كل مستهلك بالعبارة الملائمة لتركيبته النفسية.

بينما تعتمد "دايناميك ييلد" (Dynamic Yield) على محرك تكيفي يتيح تقديم عروض ومحتوى مختلفين لمستخدمين يجلسان في الغرفة ذاتها، استنادا إلى مؤشرات سلوكية لا يراها أي منهما.

يتزامن كل ذلك مع بروز مفهوم "التسوق التنبؤي"، الذي يعتمد على توقع احتياجات المستهلك قبل أن يعبر عنها صراحة.

تعد "أمازون" من الشركات الأولى التي استكشفت هذا الاتجاه من خلال براءة اختراع للشحن الاستباقي، وهي فكرة تقوم على إرسال المنتجات إلى مراكز توزيع قريبة من المستهلك استنادا إلى توقعات الخوارزميات لاحتمال شرائه لها.

ورغم أن التطبيق التجاري الكامل لهذه الفكرة ما زال محدودا، فإنها تعكس الاتجاه الذي تسير نحوه الصناعة، حيث يصبح التنبؤ بالطلب جزءا من عملية البيع نفسها، وليس مجرد أداة لدعمها.

يختلف "التخصيص الفائق" عن أساليب التسويق الرقمي السابقة في التوقيت والدقة، حيث ترتفع قرارات الشراء الاندفاعية ارتفاعا ملحوظا في اللحظات المحورية الدقيقة، مثل حالات الشعور بالوحدة في منتصف الليل، والتعب بعد يوم مرهق، والملل خلال الانتظار، والقلق من الأحداث الحياتية الكبرى.

يعزى جزء كبير من إنفاق التجارة الإلكترونية إلى الشراء الاندفاعي الذي يحدث في غياب التخطيط المسبق، ويشعر المستهلك بالندم لاحقا على جزء كبير من هذه المشتريات، فيما يعرف باسم الندم الرقمي.

تعتمد منصات التجارة الإلكترونية على "هندسة الاختيار"، التي تساعد في تقليص مساحة التفكير الواعي وتحفيز الاستجابة الاندفاعية من خلال عناصر، مثل عدادات العروض المحدودة الوقت والإشعارات التي تفيد بقرب نفاد الكمية، فضلا عن التوصيات الشخصية المولدة في اللحظة ذاتها.

تستطيع الخوارزميات التي تحلل أنماط التصفح رصد مؤشرات الاكتئاب الخفيف والقلق الاجتماعي وانخفاض الثقة بالنفس في بعض الحالات قبل أن يربط المستخدم بنفسه بين هذه الأنماط السلوكية وحالته النفسية، مع استهدافه بمحتوى استهلاكي مصمم خصوصا ليشعره أن الشراء مفيد لحالته.

تدمج منصة "سيلز فورس أينشتاين" (Salesforce Einstein) حسابات المستهلكين مع التعلم الآلي لإنتاج توقعات فردية وتوصيات محتوى عبر قنوات البريد الإلكتروني والمواقع والتطبيقات في الوقت الفعلي.

يختبر نظام "بيرسادو" ملايين الصياغات المختلفة لتحديد الكلمة التي تناسب كل مستخدم، وفي حالات وثقتها الشركة، سجلت مؤسسات مالية كبرى ارتفاعا في معدلات التحويل بعد استخدام الأداة.

تشير التقارير إلى أن مثل هذه الأدوات باتت تشكل ركيزة في ترسانة كبرى شركات الاتصالات والبنوك والتجزئة.

تسعى بيئات الاختيار المصممة بعناية إلى تضييق هامش التفكير الواعي لصالح الاستجابة الفورية، حيث تغير "هندسة الاختيار" قرارات الناس دون أن يدركوا ذلك.

بدأت المنصات بتخصيص بيئة اختيار لكل فرد في الوقت الفعلي، مستعينة بالتوأم السلوكي الرقمي، حيث تنبع قرارات الشراء في جزء كبير منها من مناطق دماغية مرتبطة بالمشاعر، وليس بالتحليل العقلاني.

تستهدف هذه الخوارزميات تلك المناطق عبر ضخ المحفزات الصحيحة في اللحظة الصحيحة قبل أن يتاح للعقل فرصة المراجعة والتقييم.

نتيجة لذلك، يشعر المستهلك بأنه يختار بحرية، بينما تكون الخوارزمية قد مهدت له الطريق الذي يوصله إلى الوجهة التي اختارتها في ظاهرة تسمى "الإرادة المقيدة"، أي أن الإنسان لا يزال يختار، لكنه يختار من قائمة معدة له دون علمه.

هذا الواقع دفع المشرعين والهيئات التنظيمية إلى التحرك، حيث يحظر القانون الأوروبي استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي العاطفي في بيئات العمل والتعليم، مع وجود استثناءات محددة تتعلق بالأمن والصحة وبعض الحالات المنظمة قانونيا. كما يوجب القانون إخطار الأفراد بالتعرض لهذه الأنظمة قبل توظيفها.

ومع ذلك، تواجه هذه التشريعات تحديات كبيرة في مواكبة التطور السريع، حيث تقع هذه الأنظمة في السياق التجاري والتسويقي في منطقة رمادية لم تحسم بعد. وتجادل الكثير من الشركات بأن ما تجمعه هو بيانات سلوكية وليس بيانات عاطفية، وهو تمييز يصعب إثبات زيفه قانونيا بالأدوات المتاحة حاليا.

رغم المخاوف، يوفر "التخصيص الفائق" فوائد عملية للمستهلك، حيث يساعد في تقليل الإعلانات غير ذات الصلة، ويحسن قدرته على اكتشاف المنتجات والخدمات المتوافقة مع احتياجاته، ويختصر الوقت الذي يقضيه في البحث والمقارنة بين الخيارات المتاحة.

بالنسبة للشركات، فإن هذا النهج يساهم في تحسين تجربة العملاء، ويرفع مستويات الرضا والولاء، وهو ما يفسر استمرار الاستثمار المكثف في هذا المجال رغم الجدل المتصاعد حول حدوده الأخلاقية والقانونية.

في زمن "التخصيص الفائق"، أصبحت الخوارزمية قادرة على تشكيل سلوكك الاستهلاكي بفاعلية حقيقية وموثقة، لكن هذه المعرفة، رغم دقتها، ليست حقيقية بالمعنى العميق، كما أنها غير قادرة على الإحاطة بتناقضاتك الإنسانية وعمقك النفسي.

في عالم باتت فيه الرغبات تصنع قبل أن يولد، وتهندس العواطف قبل أن تشعر، ينبغي أن تتوقف للحظة قبل كل نقرة وتسأل نفسك، هل هذا ما أريده فعلا، أم أن هذا ما يراد لي أن أريده؟