رغم أن تقديرات دولية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الوظائف أكثر مما سيقضي عليها، فإن حجم هذا التأثير وطبيعته يتفاوتان من دولة إلى أخرى حسب هيكل الاقتصاد ومستوى التطور التكنولوجي وطبيعة المهارات السائدة في سوق العمل، وخصوصاً في البلدان النامية. وقد أكد البنك الدولي أن هذه التقديرات تستند إلى بيانات من 25 دولة تضم نحو 3.5 مليار نسمة وتمثل قرابة 80 في المائة من قوة العمل العالمية.
وخلصت هذه التقديرات إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة وأبطأ وتيرة مقارنة بالدول مرتفعة الدخل. ويعود ذلك إلى طبيعة أسواق العمل في هذه الاقتصادات التي تعتمد بشكل أكبر على الوظائف اليدوية والمهن القائمة على التفاعل المباشر بين الأشخاص، وهي وظائف لا تزال بعيدة نسبياً عن متناول الأتمتة الراهنة.
ولا تقف مصر بمعزل عن هذا المشهد، إذ يفرض الذكاء الاصطناعي متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل، لا سيما في ظل وجود فجوة بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل وفرص التوظيف المتاحة. وفق تقديرات البنك الدولي، يدخل نحو 1.3 مليون شاب وشابة سوق العمل المصرية سنوياً، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف المستحدثة نصف مليون وظيفة في العام ذاته.
وأمام هذه الفجوة المُتّسعة، هل يتحول الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تهديداً، أم محركاً للنمو الاقتصادي؟ وبين هذين الاحتمالين، يستحضر المهندس وليد جاد، خبير التحول الرقمي والرئيس السابق لمجلس إدارة غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات المصرية، سابقة تاريخية يرى أنها تضيء الطريق. فدخول الحاسوب إلى مصر أواخر القرن الماضي صاحبته مخاوف مماثلة من انعكاساته على سوق العمل وتفاقم البطالة.
لكن استعراض ما آلت إليه تلك الحقبة يكشف عن مفارقة لافتة، وهي أنه رغم اندثار بعض الوظائف بفعل انتشار الحاسوب، نشأت وظائف أخرى وازدهرت في ظله، فضلاً عن قفزة إنتاجية بلغت عشرة أضعاف.
ويضيف جاد أن الذكاء الاصطناعي، وإن كان سيعيد رسم ملامح سوق العمل، يمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لتعزيز الإنتاجية؛ وسيؤدي إلى ظهور أسواق عمل جديدة كلياً لم تكن في الحسبان.
غير أن هذا التفاؤل المشروط لا ينفي، في نظر الدكتور أبو العلا عطيفي، أستاذ الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي في جامعة القاهرة، أن مصر تمر بمرحلة انتقال جوهرية مما يسميه "الهامش التكنولوجي" إلى "التأثير البنيوي العميق" في بنية الوظائف والمهارات المطلوبة.
ويختصر عطيفي جوهر اللحظة الراهنة بقوله: "السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على سوق العمل المصرية، بل متى وبأي درجة وبأي نمط سيتجلى هذا التأثير؟". لكن الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على أعمال مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يحذّر من "الإفراط في التخوف من التطور العلمي أو محاربته بهدف تجنب جميع المخاطر المحتملة التي قد تصاحبه؛ بل على المجتمعات والمؤسسات الاقتصادية الساعية إلى النمو أن تتبنى تخطيطاً واقعياً للاستفادة من التكنولوجيا وتطوير أدوات ونظم مبتكرة تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع".
ويشدد طنطاوي على أن التجارب التاريخية تؤكد أن الطفرات التكنولوجية لا تقتصر على إحداث تغييرات في هيكل الأنشطة الإنتاجية القائمة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى ظهور صناعات وأنشطة جديدة نتيجة الابتكار الخلّاق في توظيف التقنيات الناشئة والاستفادة من تطبيقاتها واستخداماتها المجدية.
وتكشف دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يشكل تهديداً غير متكافئ على قطاعات سوق العمل في مصر، محذرةً من أن الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال هي تلك التي تمثل البوابة التقليدية للخريجين الجدد نحو العمل الرسمي. ويصف المركز في دراسته، المعنونة بـ"إعادة تعريف العمل في مصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل متطلبات المهارات"، بأنها "أول تقدير كمي تجريبي لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المصرية"؛ إذ اعتمد فيها على تحليل أكثر من 28 ألف إعلان وظيفي إلكتروني عبر منصات رقمية كبرى.
وتتصدر هذه القائمة فئة موظفي الأعمال المكتبية والإدارية؛ إذ بلغ متوسط مؤشر أتمتة مهامهم نحو 52 في المائة. وهو ما وصفه الباحثون بـ"الإحلال الجوهري"، أي أن الذكاء الاصطناعي يستهدف صميم هذه الوظائف، ولا سيما في مهام معالجة البيانات وجدولة المواعيد وإدارة السجلات.
غير أن هذه النسبة المرتفعة لا تعني، برأي الدكتور محمد الموجي، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة المنصورة، اختفاء المسمى الوظيفي فجأة وبالكامل. بل ما يسميه "الاندماج الهائل"؛ إذ سيتمكن عدد قليل من الموظفين الذين يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي من إدارة أحجام ضخمة من المعاملات، مما يقلّص التوظيف الجديد ويفرز ضغوط بطالة انتقالية حادة.
ويتوقع الموجي أن ينتج من هذا الاندماج نمط جديد هو "الموظف متعدد المهارات؛ فالذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظيفة بقدر ما سيتولى المهام الجانبية والروتينية فيها، مما يغيّر طبيعتها جذرياً".
وفي مقابل تلك الفئة المُهددة، تكشف الدراسة عن أن الوظائف اليدوية والحرفية والزراعية هي الأكثر صموداً في مواجهة موجة الأتمتة الراهنة؛ نظراً لاعتمادها على مهارات جسدية دقيقة وبيئات عمل متغيّرة لا يجيد الذكاء الاصطناعي حتى الآن محاكاتها. وهو ما يؤكده الموجي بقوله: "إن وظائف كعمال الزراعة والصيد والبناء والمهن الحرفية، فضلاً عن المجالات القائمة على التفاعل الإنساني كالرعاية الطبية والخدمة الاجتماعية، لا تزال بمنأى عن هذه الموجة في مرحلتها الحالية".
أما الشريحة الواقعة بين هذين الطرفين، أي فئة المهنيين، فلن يطولها التأثير الأعمق في صورة استبدال كامل، بل في إعادة تشكيل طبيعة أدوارها من الداخل. فالمهن القانونية والاجتماعية كالمحامين والاختصاصيين الاجتماعيين تواجه أتمتة تطال نحو 45 في المائة من مهامها الأساسية، فيما تبلغ النسبة 41 في المائة لدى فنيي تكنولوجيا المعلومات و37 في المائة لدى المهندسين والعلماء. وهذا يعني أن دور هؤلاء المهنيين سيتحول من تنفيذ المهام المعرفية إلى توجيه منظومات الذكاء الاصطناعي والإشراف عليها.
ويتقاطع هذا الاستنتاج مع ما يلاحظه الدكتور حسن أبو العلا، مدرّس الميكروبيولوجيا بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة؛ إذ يرى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي يظهر أولاً في طبيعة المهام لا في اختفاء الوظائف، وإن كانت خصوصية سوق العمل المصرية تجعل وتيرة التحول أبطأ نسبياً مقارنة ببعض الدول الأخرى.
ويختصر أبو العلا التحدي في سؤال: "كيف سنرسم المسار المهني للأجيال الجديدة؟". وإذا كان هذا السؤال يحمل نبرة قلق، فإن جاد يقابله بمثال ملموس على وظائف ناشئة تلوح في الأفق؛ فقدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى مزيَّف بالصوت والصورة ستفرز سوقاً وظيفية تتمحور حول الكشف عن التزوير الرقمي، ومن المرجح أن تشهد نمواً متسارعاً مع تصاعد تحديات المعلومات. ويستحضر جاد تجربة دخول عصر الحاسوب دليلاً على قدرة مصر على اغتنام الفرص؛ فبعدما كان المجال لا يتجاوز أربع شركات عالمية تستقطب الكفاءات المصرية، باتت البلاد اليوم حاضنة لأكثر من خمسة آلاف شركة محلية في تقنية المعلومات.
وأولت مصر اهتماماً مؤسسياً بالفعل، فأنشأت، وفق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي عام 2019، قبل توسيع اختصاصاته ليصبح المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة. لمواكبة التقنيات المستقبلية. كما أطلق المجلس الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي والتي ترتكز على ستة محاور تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية.
غير أن هذا الزخم المؤسسي لا يكتمل، في نظر عطيفي، من دون مراجعة جوهرية على المستوى التعليمي؛ إذ يضع الجامعات في قلب التحول. ويقول: "لم يعد كافياً أن يتخرج الطالب حاملاً معرفة تخصصية فحسب؛ يجب أن يمتلك معها ملكة التعلم المستمر والتفكير النقدي". ويرى أن جوهر التحدي يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الرقمي.
ويتوقع طنطاوي أن تكون النتيجة النهائية لدخول الذكاء الاصطناعي سوق العمل إيجابية في المُجمل، من خلال توسع الأعمال والأنشطة الجديدة.

