اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

تغير قواعد الاستثمار عالميا من الكفاءة إلى الأمن الاقتصادي

{title}

لم تعد الشركات العالمية تتخذ قراراتها الاستثمارية بالطريقة التي اعتادها العالم طوال العقود الماضية. فقد أصبح معيار النجاح فيها يتمثل في الاعتبارات الأمنية الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية بدلاً من البحث عن أقل تكلفة إنتاج وأرخص يد عاملة. وأصبح الأمن الاقتصادي يتقدم بسرعة على حساب الكفاءة الاقتصادية التقليدية، مما يعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي بصورة غير مسبوقة.

هذا التحول يشكل الخلاصة الأبرز لتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). الذي يرى أن العالم دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها الاستثمارات تتبع الاعتبارات الاستراتيجية أكثر مما تتبع منطق السوق التقليدي.

تشير بيانات التقرير إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفعت بنسبة 6% لتصل إلى 1.6 تريليون دولار، منهية عامين متتاليين من التراجع. إلا أن هذا التحسن يخفي تفاوتا واضحا بين القطاعات والدول. إذ جاءت الزيادة مدفوعة بعدد محدود من المشروعات العملاقة والاستثمارات الضخمة، في حين بقي النشاط الاستثماري ضعيفا في معظم القطاعات الاقتصادية والدول النامية.

ويحذر التقرير من أن هذا النمو لا يعكس انتعاشا شاملا في الاستثمار العالمي، بل يعكس تركّزا متزايدا لرؤوس الأموال في عدد محدود من الاقتصادات والقطاعات التي تحظى بأولوية استراتيجية، وسط استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية والسياسات التجارية وارتفاع تكلفة التمويل.

أبرز ما يميز دورة الاستثمار الحالية أن الأموال لم تعد تتوزع على مختلف الأنشطة الاقتصادية، بل أصبحت تتدفق نحو قطاعات محددة تتصدرها مراكز البيانات وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن الحيوية.

ويشير التقرير إلى أن ما يقرب من نصف مشروعات الاستثمار الجديدة المعلنة تركزت في هذه القطاعات الاستراتيجية، بينما سجلت قطاعات أخرى مثل التصنيع التقليدي والطاقة المتجددة بعض التباطؤ الملحوظ.

يعكس هذا التحول انتقال المنافسة العالمية من البحث عن الإنتاج الأرخص إلى بناء سلاسل إمداد أكثر أمانا، وتعزيز السيطرة على التقنيات والموارد التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية خلال العقود المقبلة.

يرى التقرير أن الشركات متعددة الجنسيات لم تعد تتخذ قراراتها اعتمادا على عوامل الكلفة والإنتاجية فقط، بل أصبحت تضع في مقدمة أولوياتها اعتبارات الأمن القومي والسياسات الصناعية والحوافز الحكومية واستقرار سلاسل الإمداد.

كما أصبحت الحكومات نفسها لاعبا رئيسيا في توجيه حركة الاستثمار من خلال حزم دعم وإعفاءات وسياسات صناعية تستهدف جذب الصناعات الاستراتيجية، خاصة في مجالات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة. وسجل أعلى مستوى من التدخلات الحكومية والسياسات الاستثمارية الجديدة.

وبذلك، لم يعد رأس المال يتحرك بحرية كاملة وفق اعتبارات السوق، بل أصبح يتأثر بدرجة متزايدة بالأولويات الجيوسياسية والمنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى.

منح هذا التحول الاقتصادات المتقدمة أفضلية واضحة، إذ ارتفعت تدفقات الاستثمار إليها بنسبة 11%، مقابل نمو بلغ 2% فقط في الاقتصادات النامية. بينما بقيت الدول الأقل دخلا خارج الجزء الأكبر من موجة الاستثمار الجديدة رغم تسجيلها بعض التحسن من قاعدة منخفضة.

كما يلفت التقرير إلى أن الاقتصادات النامية باتت تواجه تحديا متزايدا في جذب الاستثمارات، لأن المنافسة لم تعد تقوم على انخفاض التكلفة فقط، بل على القدرة على توفير بنية تحتية متطورة ومهارات بشرية وتقنيات متقدمة وسياسات صناعية قادرة على استقطاب الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

يشير التحول في أولويات الاستثمار العالمي إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد تكون من أبرز المستفيدين إذا نجحت في توظيف مزاياها الجغرافية والطاقوية ضمن النظام الاستثماري الجديد. فإلى جانب استمرار الاستثمارات في النفط والغاز، أصبحت المنطقة تجذب اهتماما متزايدا في قطاعات مراكز البيانات والبتروكيماويات المتقدمة والهيدروجين منخفض الانبعاثات والمعادن الاستراتيجية والصناعات المرتبطة بالتحول الرقمي.

كما أن تسارع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية يمنح عددا من دول المنطقة فرصة للتحول إلى مراكز صناعية ولوجستية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة في الموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكات النقل، فضلا عن برامج التنويع الاقتصادي التي تقودها دول الخليج.

وتخلص نتائج التقرير إلى أن المنافسة على الاستثمار العالمي دخلت مرحلة مختلفة، لم يعد فيها انخفاض تكاليف الإنتاج أو العمالة الرخيصة كافيا لجذب رؤوس الأموال. فالمعيار الجديد أصبح قدرة الدول على توفير الطاقة الموثوقة والبنية الرقمية وسلاسل الإمداد الآمنة والسياسات الصناعية الواضحة والبيئة التنظيمية القادرة على استقطاب الصناعات الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تبدو بعض اقتصادات الشرق الأوسط أمام فرصة لإعادة تموضعها داخل الاقتصاد العالمي، ليس فقط بوصفها مصدرا للطاقة، بل باعتبارها وجهة للاستثمارات الصناعية والتكنولوجية واللوجستية. غير أن الاستفادة من هذا التحول ستظل مرهونة بقدرة هذه الدول على تحويل الإنفاق الاستثماري الحالي إلى قاعدة إنتاجية متقدمة تضمن لها موقعا دائما في خريطة الاستثمار العالمية الجديدة.