اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

تأجيل حسم مصير الودائع في لبنان بسبب الخلاف المالي

{title}

بلغت الاقتراحات المعدلة لمندرجات قانون اصلاح المصارف في لبنان محطة الصياغة النهائية لدى لجنة المال والموازنة النيابية. وقد تم التوافق النيابي المسبق والعريض في اللجنة على اعتمادها مكتملة منتصف الأسبوع المقبل، في حال تحديد موعد الجلسة المرتقبة قبل نهاية الشهر الحالي. ويظل نفاذ القانون مرتبطا بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يشكل محور الخلاف حول "الفجوة المالية".

واقتصر الأثر الفوري لهذا الإنجاز، حسب مسؤول معني ومشارك، على الاستجابة المتكررة لشروط صندوق النقد الدولي، مع هامش تكييف نسبي لمفهوم السيادة التشريعية وصلاحيات السلطات المحلية. ويجري ذلك بالتوازي مع ضرورة مراعاة نصوص القوانين النافذة التي تنص على استقلالية البنك المركزي وصلاحيات الحاكم والمجلس المركزي ومهامهم المحورية والحصرية في إدارة السياسة النقدية والقطاع المالي.

في إيجاز للخلاصة، فقد حصل نقاش مطوّل في طلب البنك المركزي إدراج عبارة "مع مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف" على المادة الثالثة من قانون اصلاح المصارف. وعبرت الحكومة بلسان وزير المال ياسين جابر عن عدم ممانعتها لهذا التعديل. وقد تم التوافق على تعديل المادتين الثالثة والثالثة عشر بما يتناسب مع إزالة الغموض في النص نسبة لاستقلالية البنك المركزي ودور المجلس المركزي فيه، لكن هناك حاجة إلى موافقة صندوق النقد والاتفاق معه.

مع التعليق المسبق لسريان مفعول القانون بإقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، تظل الرحلة التشريعية الثلاثية التي تضم أيضا قانون تعديلات السرية المصرفية رهينة التوافق الأصعب على المشروع العالق، والذي اصطلح على تسميته "قانون الفجوة". ويعود ذلك إلى التباعد الصريح والحاد في مقاربات المفاهيم والأساسيات بدءا من تحديد حجم الخسائر وانتهاء بتوزيع الأعباء وفق المسؤوليات، تمهيدا لاعتماد الآليات المناسبة لرد "ما أمكن" من حقوق المودعين الذين تتلاشى آمالهم تباعا بعد انتظار طويل ومؤلم.

وبذلك، يستمر المشهد المالي والنقدي على حال "عدم اليقين"، والزاخر بالتباسات تقارب المعضلات المستمرة في العجز "المستنسخ" باعتماد مقاربة محلية موحدة ومتكاملة تستهدف الإنقاذ والتعافي. إذ إن "التسليم" بكامل مطالب صندوق النقد الدولي، الذي يميل إليه الفريق الحكومي، حسب المسؤول المالي، سيفضي حكماً إلى "تعثر" معظم المصارف العاملة، وبالتبعية تجهيل مصير قيود أصحاب الحقوق. بينما لا أحد يضمن أن الالتزام بشروط "استدامة الدين العام" للحصول على التمويل الموعود سيعيد البلد إلى أسواق الائتمان الدولية بلا جهاز مصرفي ناشط.

وريثما تعود الحكومة بتعديلاتها المجددة، بعدما استعادت المشروع الأساسي المحال سابقا إلى المجلس النيابي، ترتفع حدة الهواجس، وفق المسؤول عينه، من المراوحة في حلقة الجدليات المفرغة بين شرط صندوق النقد المتشدد بالحد من "استخدام الأموال العامة" في اصلاح أوضاع المصارف، وواقع إقدام الدولة على سحب التمويل المكشوف من البنك المركزي بما لا يقل مجموعه عن 60 مليار دولار. بينما المبالغ مصنفة أساسا بإجمالي يقارب 80 مليار دولار؛ ودائع وشهادات استثمارية للبنوك التجارية، واستطراداً "أموال المودعين".

وفي الأصل، فإن الخلاف لم يحسم تماما حول "تعريف" الأزمة، حسب المسؤول المالي، رغم أولويته في تحديد المسؤوليات وتوزيعات الخسائر بين ثلاثي الدولة والمركزي والبنوك. ويهدف ذلك إلى رد أموال المودعين بالتناسب مع توفر التدفقات ووفق وسائل متنوعة وجداول زمنية واضحة تلقى الموافقة الشرطية من غالبية أصحاب الحقوق. مع التقدير الموضوعي بما لحق بهم في السنوات الماضية، وسيتواصل في السنوات اللاحقة من اقتطاعات فادحة وخسائر استثمارية (صفر عوائد) وعجوزات مشهودة في تعذر تلبية احتياجات مالية ملحة.

ورغم أسلوب المواربة في التوصيف الذي تعتمده الحكومة، يجاهر حاكم "المركزي" كريم سعيد بأن الأزمة المالية والمصرفية في لبنان هي "أزمة نظامية" بكل ما للكلمة من معنى. وقد جرى توصيفها على هذا النحو من قبل كثير من الخبراء محلياً ودولياً. كما أقرّ بها مؤخرا صندوق النقد الدولي. واستدلالا، فالمسألة "لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف؛ بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي للبنك المركزي، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين". بحيث أصبحت هذه العناصر كافة تغذي بعضها بعضا وصولا إلى انهيار شامل.

وفي تبرير هذا التوصيف، وتعزيز أحقيته وصلابته، يورد البنك المركزي حزمة من الحقائق الأساسية التي لا تحتمل أي تجميل. وفي مقدمتها أن نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي أودعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان. واستتباعا، تخلّفت الدولة عن سداد سندات "اليوروبوندز" في ربيع عام 2020. بالتوازي مع انهيار قيمة سندات الخزينة بالعملة الوطنية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات "اليوروبوندز". وبالحصيلة، انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98 في المائة وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعية.

كذلك، لم تتردد جمعية المصارف في نقل مخاوفها إلى كبار المسؤولين بالدولة، رغم الإصرار على استبعادها عملياً من النقاشات الحكومية. وفي مستجداتها ما سمعه رئيس الجمهورية من مجلس الإدارة برئاسة سليم صفير، بأن "الطرح الحالي لمعالجة الأزمة المالية يبدو مجحفاً بحق القطاع المصرفي. وأن تطبيقه بصيغته الحالية غير قابل للتنفيذ عملياً". ومبينا تطلع الجهاز المصرفي إلى الشراكة الفاعلة في مسار الإصلاحات المطلوبة، والتزامه بلعب دوره في دعم مسيرة التعافي والمساهمة في إعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني.

بدوره، أكد رئيس لجنة المال النيابية أن مشروع قانون "الفجوة" المحال سابقا يخضع لإعادة نظر ببعض مواده من قبل الحكومة. وما نريده، هو قانون لاسترداد الودائع لا لشطبها. ومن هذا المنطلق، تعيد الحكومة النظر ببعض البنود لتأمين النتيجة المرجوة التي يفترضها الهدف من القانون؛ فالثقة لا نحصل عليها من صندوق النقد خارجيا فقط، بل الثقة الداخلية مهمة أيضا من خلال المودع اللبناني والمستثمر، الذي لن يضع قرشاً في لبنان إذا لم يشعر بأنه مضمون.