اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

مشروع أنبوب البصرة-العقبة يفتح آفاق جديدة للعراق والأردن

{title}

عاد مشروع أنبوب النفط البصرة-العقبة إلى واجهة النقاش الاقتصادي والسياسي في العراق والأردن بعد سنوات طويلة من التعثر. مدفوعا بمتغيرات إقليمية أعادت ترتيب أولويات أمن الطاقة، وفي مقدمتها التوترات التي شهدها مضيق هرمز والبحر الأحمر، وما كشفت عنه من هشاشة الاعتماد على منفذ تصدير واحد للخام العراقي.

المشروع، الذي بقي لأكثر من عقد رهينة الاعتبارات الأمنية والخلافات السياسية والتمويلية، عاد اليوم ليحظى باهتمام رسمي متزايد. يأتي ذلك وسط توجه عراقي لإعادة رسم خريطة منافذ تصدير النفط، بالتوازي مع خطط رفع الطاقة الإنتاجية وتوسيع البنية التحتية.

جاءت إعادة إحياء المشروع خلال المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع وفد وزاري أردني برئاسة وزير الصناعة والتجارة يعرب القضاة قبل أيام. حيث أكد الجانبان أهمية المضي في تنفيذ المشروع، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الطاقة والنقل والاستثمار والتبادل التجاري.

رغم ذلك، أوضح المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، سليم الركابي، أن مشروع أنبوب حديثة-العقبة ما يزال قيد الدراسة. يرتبط بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع المتمثلة بإنشاء أنبوب البصرة–حديثة، مؤكدا أن الحكومة ماضية في إجراءات تنفيذ هذا الجزء باعتباره الأساس للمشروع.

أوضح الركابي أن توجه العراق نحو إنشاء منافذ تصدير جديدة لا يستند إلى الجدوى الاقتصادية والتجارية فقط، بل يشمل اعتبارات إستراتيجية تتعلق بتنويع منافذ تصدير النفط وتعزيز مرونة عمليات التصدير، بما يحد من الاعتماد على منفذ واحد ويعزز أمن الصادرات النفطية مستقبلا.

رغم أن فكرة إنشاء خط أنابيب يصل النفط العراقي إلى البحر الأحمر طُرحت منذ عقود، فإنها اكتسبت صفة رسمية عندما وقع الأردن والعراق اتفاقية إطار لتنفيذه بكلفة قُدرت آنذاك بنحو 18 مليار دولار.

إلا أن المشروع واجه منذ ذلك الحين سلسلة من العقبات، أبرزها الحرب ضد تنظيم الدولة، والظروف الأمنية في محافظة الأنبار، إضافة إلى الأزمات المالية التي مر بها العراق، فضلاً عن الانقسامات السياسية الداخلية التي أحاطت بالمشروع منذ الإعلان عنه.

يمتد الأنبوب لمسافة تقارب 1700 كيلومتر، تبدأ مرحلته الأولى من محافظة البصرة وصولا إلى مدينة حديثة غربي العراق بطول يقارب 700 كيلومتر، قبل أن يمتد في مرحلته الثانية إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.

تصل طاقته التصميمية إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميا، بما يجعله واحدا من أكبر مشاريع نقل النفط في المنطقة. ويوفر للعراق مستقبلا شبكة تصدير أكثر تنوعا عبر البحر الأحمر، إلى جانب إمكان ربطه بخطوط تصدير أخرى باتجاه سوريا وتركيا.

يتضمن المشروع تصدير مليون برميل يوميا عبر الأردن، يخصص منها نحو 150 ألف برميل يوميا لتزويد مصفاة البترول الأردنية باحتياجاتها من النفط الخام.

يرى الخبير الاقتصادي الأردني المختص بشؤون النفط والطاقة، عامر الشوبكي، أن المشروع لم يغب يوما عن أجندة العلاقات الأردنية العراقية. لكن ظل يتكرر مع كل حكومة دون أن يترجم إلى خطوات تنفيذية فعلية.

يقول الشوبكي إن اتفاقيات الإطار الخاصة بالمشروع وُقعت منذ حكومة رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، إلا أن التنفيذ بقي مؤجلا رغم الجدوى الاقتصادية الواضحة التي يحققها للطرفين.

أضاف الشوبكي أن المشروع كان يواجه على الدوام تحفظات داخل العراق، من بينها مخاوف أُثيرت بشأن احتمال وصول جزء من النفط المصدر عبر العقبة إلى إسرائيل، إلى جانب معارضة قوى سياسية عراقية تأثرت بمواقف بعض القوى الإقليمية.

يرى الشوبكي أن المشروع يحقق مكاسب اقتصادية واضحة للعراق، إذ يمنحه منفذا إضافيا لتصدير نفطه إلى أوروبا وأسواق آسيا، مشيرا إلى أن نحو 80% من صادرات النفط العراقية تتجه أساسا إلى آسيا.

يربط الشوبكي الاهتمام العراقي المتجدد بالمشروع بخطط بغداد لزيادة طاقتها الإنتاجية، حيث تسعى الحكومة إلى رفع سقف إنتاجها المعتمد في منظمة "أوبك" من نحو 4.4 ملايين برميل يوميا إلى 6 ملايين برميل.

تعمل الحكومة العراقية على تنفيذ مشروع ربط أنبوبي بين البصرة وكركوك لتعزيز كفاءة خط كركوك–جيهان التركي، مع دراسة إمكانية مد خطوط إضافية باتجاه الساحل السوري، بما يوسع خيارات التصدير مستقبلا.

لا تقتصر أهمية مشروع البصرة–العقبة على كونه مشروعا نفطيا، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد جيوسياسية واقتصادية. فإنشاء ممر جديد يصل النفط العراقي مباشرة إلى البحر الأحمر يمنح بغداد منفذا بديلا بعيدا عن مضيق هرمز، ويعزز أمن صادراتها إذا تعرض أي من الممرات التقليدية لأزمات أو تهديدات أمنية.

كما يعزز المشروع الترابط الاقتصادي العربي، ويرفع من أهمية البحر الأحمر كممر عالمي للطاقة، ويمنح الأردن دورا محوريا في تجارة النفط الإقليمية.

تزامناً مع إعادة الحديث عن مشروع البصرة–العقبة، شرعت الحكومة العراقية في اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ المرحلة الأولى، المتمثلة بمشروع أنبوب البصرة–حديثة. أقر مجلس الوزراء العراقي تعديل قرارات سابقة يسمح لوزارة النفط بتوجيه الدعوات المباشرة إلى الشركات العالمية المتخصصة.

يهدف المشروع إلى نقل النفط من الحقول الجنوبية إلى مدينة حديثة، مع إمكانية ربطه لاحقاً بشبكات تصدير تمتد نحو تركيا أو الأردن أو سوريا. كما تراهن بغداد على دمج المشروع مع مبادرة "طريق التنمية"، بما يحوله إلى ممر متكامل للطاقة والبضائع بين الخليج والبحر المتوسط.

يقول الخبير العراقي في مجال النفط، عادل صادق، إن الحكومة تعمل على مشروع البصرة-حديثة الذي يقوم على نقل النفط الخام من حقول الجنوب إلى مدينة حديثة غرب العراق، التي ستتحول إلى عقدة رئيسية لتوزيع النفط نحو عدة منافذ تصديرية.

يرى صادق أن أهمية المشروع لا تقتصر على إنشاء منفذ تصدير جديد، بل تتمثل في تنويع منافذ تصدير النفط العراقي وتقليل الاعتماد على الخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى تعزيز أمن الطاقة ورفع مرونة نقل النفط الخام بين المحافظات.