دخلت كوريا الجنوبية مرحلة جديدة في إدارة اقتصادها. حيث تحولت الطفرة التي تقودها صناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي من محرك للنمو إلى مصدر لمخاطر مالية تستدعي تدخلاً متزامناً من البنك المركزي والجهات التنظيمية والحكومة. وفي خطوة غير مسبوقة، رفع بنك كوريا سعر الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام ونصف. كما أعلنت السلطات قيوداً جديدة على صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية المرتبطة بأسهم شركات التكنولوجيا. في الوقت نفسه، عقد مجلس الأمن القومي اجتماعاً لبحث الملفات التجارية والأمنية مع الولايات المتحدة، في ظل تزايد الترابط بين الاقتصاد والجيوسياسة.
رفع بنك كوريا سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75 في المائة. في أول زيادة منذ بداية العام، مشيراً إلى أن دورة التشديد النقدي قد لا تكون انتهت بعد. ووضح البنك أن الاقتصاد الكوري ينمو بوتيرة تفوق توقعاته السابقة. مدفوعاً بالطلب العالمي القوي على الرقائق الإلكترونية المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. متوقعاً أن يتجاوز النمو تقديراته الصادرة في مايو والبالغة 2.6 في المائة.
قال محافظ البنك المركزي، شين هيون سونغ، إن قرار رفع الفائدة استند إلى تحسن مؤشرات النمو والتضخم والاستقرار المالي في آن واحد. مضيفاً أن الضغوط التضخمية المحلية مرشحة للارتفاع تدريجياً مع انتقال آثار طفرة أشباه الموصلات إلى الطلب المحلي.
كما أشار إلى أن البنك سيراقب من كثب بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني وأرقام التضخم لشهر يوليو قبل اتخاذ أي قرار جديد. في إشارة فسرها محللون على أنها تمهد لزيادة أخرى قبل نهاية العام.
يتوقع معظم الاقتصاديين أن يرتفع سعر الفائدة إلى 3 في المائة قبل نهاية عام 2026، مع إمكانية بلوغه 3.25 في المائة خلال الربع الأول من 2027.
على الرغم من قوة الاقتصاد، تعرضت سوق الأسهم الكورية لضغوط حادة. بعدما قادت أسهم شركات الرقائق موجة بيع واسعة. حيث تراجعت أسهم «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كي هاينكس» بصورة حادة. وهو ما انعكس على مؤشر «كوسبي»، نظراً لأن الشركتين تمثلان أكثر من نصف وزن المؤشر.
يرى محللون أن التقلبات لم تعد مرتبطة فقط بأداء الشركات، بل أصبحت مدفوعة أيضاً بالنمو السريع لصناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية، التي تضاعف مكاسب المستثمرين وخسائرهم باستخدام المشتقات المالية.
تعمل صناديق المؤشرات ذات الرافعة المالية على مضاعفة الأداء اليومي للسهم أو المؤشر باستخدام عقود مستقبلية ومشتقات مالية. وغالباً ما تستهدف تحقيق ضعفي أو ثلاثة أضعاف حركة السعر. وعندما ترتفع الأسهم، تضطر هذه الصناديق إلى شراء المزيد من الأسهم للحفاظ على مستوى الرافعة. وعندما تنخفض، تضطر إلى البيع، وهو ما يخلق حلقة تغذي التقلبات في الاتجاهين.
تزايدت أهمية هذه الصناديق منذ إطلاقها في كوريا الجنوبية، بالتزامن مع الطفرة الكبيرة في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. كما ساهم إدراج منتجات مماثلة في هونغ كونغ والولايات المتحدة في زيادة التدفقات الاستثمارية إلى أسهم الشركات الكورية، الأمر الذي ضاعف من حدة التقلبات اليومية.
رداً على ذلك، أعلنت لجنة الخدمات المالية الكورية حزمة إجراءات جديدة تهدف إلى الحد من المخاطر وحماية المستثمرين.
تضمنت الإجراءات رفع الحد الأدنى للإيداع المطلوب للاستثمار في هذه الصناديق من 10 ملايين وون إلى 30 مليون وون. وزيادة الحد الأدنى لوحدة التداول من سهم واحد إلى 20 سهماً. وإلزام المستثمرين الأفراد باجتياز برامج إضافية للتوعية بالمخاطر. ومطالبة شركات الوساطة بالامتناع عن إطلاق صناديق جديدة أو تنظيم حملات ترويجية لها.
أكدت اللجنة أن هذه الإجراءات تستهدف الحد من التقلبات المفرطة وتحسين استقرار السوق. مع ترك الباب مفتوحاً لاتخاذ تدابير إضافية إذا استدعت الظروف.
في مؤشر على اتساع التحديات التي تواجه سيول، عقد مجلس الأمن القومي الكوري اجتماعاً ضم مسؤولين اقتصاديين ودبلوماسيين لبحث العلاقات التجارية والأمنية مع الولايات المتحدة.
أكد مستشار الأمن القومي وي سونغ لاك أن قضايا التجارة والأمن أصبحت أكثر ترابطاً في العلاقات مع واشنطن. داعياً الوزارات المختلفة إلى تنسيق مواقفها في مواجهة حالة عدم اليقين الخارجية.
تظهر التطورات الأخيرة أن كوريا الجنوبية تواجه تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، تمنحها طفرة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات واحدة من أقوى محركات النمو بين الاقتصادات الآسيوية. ومن جهة أخرى، تؤدي هذه الطفرة نفسها إلى ارتفاع الضغوط التضخمية وزيادة تقلبات الأسواق المالية. في وقت تتزايد فيه تأثيرات التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.

