اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القائمة الرئيسية

كيف نحمي الكليتين من الأمراض وتأثيرها على الجسم

{title}

يعمل في أعماق أجسامنا عضوان صغيران لا يتجاوز حجم كل واحد منهما حجم قبضة اليد. ومع ذلك، يؤديان واحدة من أعظم المهام التي تحفظ استمرار الحياة. إنهما الكليتان.

تقع الكليتان في الجزء الخلفي من التجويف البطني، على جانبي العمود الفقري، أسفل القفص الصدري بقليل. وتكون الكلية اليمنى عادة أخفض قليلا من اليسرى بسبب وجود الكبد فوقها. ولكل كلية شكل يشبه حبة الفاصوليا، ويبلغ طولها نحو 10 إلى 12 سنتيمترا، ويزن كل منها ما بين 120 و170 غراما عند البالغين. وتؤديان وظائف حيوية يتوقف عليها استمرار الحياة.

تغلف كل كلية كبسولة ليفية متينة تحميها وتحافظ على بنيتها. بينما يضم داخلها ما يقارب مليون نيفرون، وهي وحدات مجهرية تعمل بتناغم مذهل لتنقية الدم والمحافظة على توازن الجسم. ويبدأ عمل كل نيفرون بالكبيبة، وهي شبكة دقيقة جدا من الشعيرات الدموية تقوم بترشيح الدم. ثم تمر السوائل عبر الأنابيب الكلوية التي تعيد إلى الجسم الماء والعناصر المفيدة، وتتخلص من الفضلات والسموم.

إنه نظام بالغ الدقة؛ فالكليتان ترشحان يوميا نحو 180 لترا من السوائل، لكنهما تعيدان امتصاص معظمها. فلا يخرج مع البول إلا ما يقارب لترا ونصفا إلى لترين فقط. إنها عملية أشبه بمختبر فائق الذكاء، يميز في كل لحظة بين ما يجب الاحتفاظ به وما ينبغي التخلص منه. حارستان أمينتان تصونان النافع وتطردان الضار بدقة فائقة.

تمر عملية تكوين البول بثلاث مراحل رئيسية: ترشيح الدم داخل الكبيبات، إعادة امتصاص الماء والعناصر المفيدة، وإفراز الفضلات والمواد غير المرغوب فيها. وفي نهاية هذه الرحلة، يتجمع البول في حوض الكلية، ثم ينتقل عبر الحالب إلى المثانة، حيث يخزن حتى يحين موعد طرحه خارج الجسم.

تكوين البول ليس مجرد طرح للفضلات، بل آلية حيوية تحفظ توازن الجسم. ولا تتجلى عظمتها إلا عند فقدانها.

تُعد الوظيفة الأشهر للكليتين هي تنقية الدم من الفضلات الناتجة عن عمليات الأيض، مثل اليوريا والكرياتينين وحمض اليوريك، إضافة إلى التخلص من بقايا كثير من الأدوية والمواد السامة.

وتعمل الكليتان بلا توقف، فكلما مر الدم عبرهما، خضع لعملية "فحص وتنقية"، فتزال المواد الضارة، بينما تحافظ على العناصر التي يحتاجها الجسم. ولو تعطلت هذه العملية، لتراكمت السموم في الدم، وبدأت تؤثر في الدماغ والقلب والرئتين وسائر أعضاء الجسم. وهي حالة قد تهدد الحياة إذا لم تعالج بسرعة.

الماء هو أساس الحياة، لكن زيادته أو نقصانه قد يسبب مشكلات خطيرة. وهنا تظهر براعة الكليتين؛ إذ تحددان بدقة كمية الماء التي يحتفظ بها الجسم، والكمية التي يتخلص منها. كما تنظمان تركيز أملاح مهمة مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور والمغنيسيوم. وهي عناصر ضرورية لانقباض العضلات وعمل الأعصاب وانتظام ضربات القلب. ولهذا قد يؤدي أي اضطراب شديد في وظائف الكلى إلى اختلال هذه الأملاح، وهو ما قد يسبب ضعفا عضليا أو اضطرابات خطيرة في نبض القلب.

عندما تشعر الكليتان بانخفاض تدفق الدم، تفرزان هرموناً يسمى الرينين، الذي يفعّل سلسلة من التفاعلات تساعد على رفع ضغط الدم والمحافظة على وصول الدم إلى الأعضاء الحيوية. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع ضغط الدم لفترات طويلة يلحق أضرارا بالأوعية الدموية الدقيقة داخل الكليتين، فينشأ ما يشبه الحلقة المفرغة؛ إذ يسبب ارتفاع الضغط تلف الكلى، ويؤدي تلف الكلى بدوره إلى زيادة ارتفاع الضغط.

يعمل الجسم بكفاءة ضمن نطاق ضيق جدا من درجة الحموضة. وإذا اختل هذا التوازن تأثرت معظم التفاعلات الحيوية. وتساهم الكليتان في المحافظة على هذا التوازن من خلال التخلص من الأحماض الزائدة وإعادة امتصاص البيكربونات، لتظل البيئة الداخلية مناسبة لعمل الإنزيمات والخلايا.

من المفاجآت التي لا يعرفها كثيرون أن الكليتين لا تنقيان الدم فحسب، بل تساعدان أيضا على إنتاجه. فعندما ينخفض مستوى الأكسجين في الجسم، تفرزان هرمون الإريثروبويتين، الذي يحفز نخاع العظم على إنتاج كريات الدم الحمراء. ولهذا يعاني كثير من مرضى الفشل الكلوي المزمن من فقر الدم، لأن الكلية المريضة لا تنتج كميات كافية من هذا الهرمون.

تقوم الكليتان بتحويل فيتامين (د) إلى صورته النشطة التي يستطيع الجسم الاستفادة منها. وهذا الفيتامين ضروري لامتصاص الكالسيوم وتقوية العظام والأسنان. ولذلك، فإن تدهور وظائف الكلى قد يؤدي مع مرور الوقت إلى ضعف العظام وزيادة خطر الكسور.

عند تعرض الكليتين لمشكلات صحية، تظهر أعراض تستحق الانتباه، مثل تورم القدمين أو الكاحلين أو حول العينين، وارتفاع ضغط الدم دون سبب واضح، وتغير لون البول أو ظهور رغوة كثيرة فيه، وكثرة التبول ليلا، ونقص كمية البول، والتعب والإرهاق المستمران، وفقدان الشهية أو الغثيان، والحكة الجلدية في المراحل المتقدمة.

من أهم الأمراض المتعلقة بالكلى: المرض الكلوي المزمن، الذي يحدث عندما تتراجع وظائف الكليتين تدريجيا لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، ويعد داء السكري وارتفاع ضغط الدم السببين الرئيسيين لمعظم الحالات حول العالم. كما يشمل القصور الكلوي الحاد، الذي هو انخفاض مفاجئ في وظائف الكلى، وقد يحدث خلال ساعات أو أيام، وهو حالة طبية طارئة، لكن كثيراً من المرضى يستعيدون وظائف الكلى إذا عولج السبب بسرعة.

حصى الكلى تتكون عندما تترسب بعض الأملاح والمعادن داخل الجهاز البولي، وتساعد زيادة شرب الماء وتقليل الملح لدى كثير من الأشخاص على خفض خطر تشكل الحصى. بالإضافة إلى التهابات الكلى، التي قد تنتج عن انتقال العدوى البكتيرية من المثانة إلى الكلى، وتظهر عادة بارتفاع الحرارة وألم في الخاصرة وصعوبة أو حرقة أثناء التبول، ويتطلب علاجها التدخل المبكر لمنع حدوث مضاعفات.

أما تكيس الكلى الوراثي فهو مرض وراثي تتكون فيه أكياس مملوءة بالسوائل داخل الكليتين، فتزدادان حجما تدريجيا، وقد تنخفض وظيفتهما مع مرور السنوات. سرطان الكلى هو أحد أكثر سرطانات الجهاز البولي شيوعاً لدى البالغين، وينشأ عندما تبدأ خلايا الكلى بالنمو بشكل غير طبيعي لتكوّن ورماً قد ينتشر إلى أعضاء أخرى إذا لم يُكتشف مبكراً.

يحتاج الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بأمراض الكلى، وكبار السن، ومرضى السكري، إلى عناية أكبر، إذ يعد اعتلال الكلى السكري السبب الأول للفشل الكلوي المزمن في كثير من دول العالم. كما أن ارتفاع ضغط الدم، والسمنة أو متلازمة الأيض، تعتبر عوامل خطر إضافية.

للحفاظ على صحة الكلى، يجب التخلص من عادات مثل الإفراط في الملح، وقلة شرب الماء، والتدخين، وضبط سكر الدم وضغطه، واتباع نظام غذائي متوازن، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني. كما يُنصح بشرب الماء باعتدال، وتجنب تناول الأدوية أو المسكنات دون استشارة، وإجراء الفحوص الدورية خاصة إذا كان الشخص مصابا بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم أو لديه تاريخ عائلي لأمراض الكلى.