واجه الارتفاع شبه العمودي لأسهم شركات رقائق الذكاء الاصطناعي اضطرابات. في ظل تزايد المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة واستدامة الإيرادات الضخمة التي تحققها هذه الشركات. فيما بدأ بعض المستثمرين بهدوء في إعادة تموضعهم تحسباً لتباطؤ طفرة الإنفاق التي تقترب من تريليون دولار. والتي قد تصب في مصلحة شركات الحوسبة السحابية العملاقة التي تتحمل تكلفة هذا الإنفاق.
وخلال معظم العامين الماضيين، كان الاتجاه السائد معاكساً لذلك؛ إذ اندفع المستثمرون نحو أسهم شركات أشباه الموصلات والبنية التحتية على افتراض أن شركات "مايكروسوفت" و"أمازون" و"ألفابت" و"ميتا" ستواصل تسريع إنفاقها على بناء مراكز البيانات.
لكن هذا الإنفاق يبدو الآن مرشحاً للتباطؤ؛ إذ يتوقع بنك "يو بي إس" أن يرتفع الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بنسبة 76 في المائة هذا العام ليصل إلى 673 مليار دولار. قبل أن يتباطأ نموه إلى 25 في المائة في العام المقبل، ثم إلى 6 في المائة فقط في عام 2028.
وقد بدأ بعض مديري المحافظ النشطين بالفعل في تقليص انكشافهم على أسهم شركات الرقائق، مع زيادة استثماراتهم في أسهم شركات الحوسبة السحابية العملاقة نفسها. التي تخلف أداؤها بشكل ملحوظ عن الارتفاعات التي سجلتها شركات الرقائق. كما اتجهوا إلى شراء أسهم شركات البرمجيات وقطاعات يُتوقع أن تستفيد من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل القطاعين المالي والرعاية الصحية.
قال أليكسيس بوسار، مدير محافظ الأسهم العالمية في شركة "إدموند دي روتشيلد" لإدارة الأصول، والذي خفّض بالفعل انكشافه على أسهم أشباه الموصلات لأنه يرى أنها أصبحت مرتفعة السعر مقارنة بالتوقعات: "بمجرد أن تتوقف شركات الحوسبة السحابية العملاقة عن زيادة إنفاقها الرأسمالي، فسيكون ذلك بمثابة انفراجة لهذه الشركات. وإشارة سلبية لصناعة أشباه الموصلات".
ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي تضم أكبر مكوناته شركات "إنفيديا" و"برودكوم" و"مايكرون" و"إيه إس إم إل" و"تي إس إم سي"، بأكثر من الضعف خلال العام الماضي. حتى بعد تراجعه بنحو 18 في المائة عن ذروته المسجلة في يونيو، مقارنة بارتفاع نسبته 11 في المائة لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" متساوي الأوزان، أو مكاسب بلغت 8 في المائة لمؤشر "ستوكس 600" الأوروبي، الذي يتمتع بانكشاف محدود على الذكاء الاصطناعي.
أظهر استطلاع مديري الصناديق الصادر عن "بنك أوف أميركا" أن 82 في المائة من المشاركين يعتبرون أسهم أشباه الموصلات الصفقة الأكثر ازدحاماً في الأسواق. في حين لم يُبلغ أي منهم عن اتخاذ مراكز بيع على القطاع.
هذا يطرح تساؤلاً حول كيفية تموضع المستثمرين إذا ظل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قوياً، لكنه لم يعد يتسارع بالوتيرة الكافية لدعم التوقعات المضمنة في تقييمات أسهم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
قام بوسار بزيادة استثماراته في "أمازون"، كما يفضل مجالات مثل أنظمة التبريد بالسائل، والأمن السيبراني، وشركات برمجيات مختارة. مضيفاً: "لدينا حالياً انكشاف منخفض جداً على قطاع أشباه الموصلات".
كما خفّض ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "إل إف جي+ زيست" بشكل حاد استثماراته في شركات تصنيع رقائق الذاكرة ومعدات تصنيع الرقائق. بينما بنى مراكز استثمارية في شركات الحوسبة السحابية العملاقة وأسهم الرعاية الصحية. ودعم هذا الرأي عبر شراء عقود خيارات بيع على عدد من أسهم شركات أشباه الموصلات.
بعد أن موّلت شركات الحوسبة السحابية العملاقة المرحلة الأولى من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من تدفقاتها النقدية الخاصة، بدأت تعتمد بشكل متزايد على التمويل الخارجي. ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ضغوط أسواق رأس المال قد تحد في نهاية المطاف من نمو الإنفاق.
استوعبت سوق سندات الشركات هذا العام إصدارات بمليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا الكبرى. وكان المستثمرون، حتى وقت قريب، يقبلون عليها بقوة.
يشير كبير الاقتصاديين في شركة "أبولو"، تورستن سلوك، إلى أن نسب التغطية، التي تقيس حجم الطلب على السندات مقارنة بالمعروض منها، انخفضت إلى أقل من مرتين خلال يوليو، مقارنة بنحو خمس مرات في فبراير.
في يونيو، حذّر بنك التسويات الدولية، ومقره مدينة بازل السويسرية، من أن أي خيبة أمل في العوائد قد تؤدي إلى تراجع مفاجئ في التمويل. وتحول طفرة الإنفاق الرأسمالي إلى فترة ركود طويلة.
قال كونكا: "التدفقات النقدية بدأت تُستنزف بالكامل تقريباً بسبب الإنفاق الرأسمالي". مضيفاً أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة ستصبح أكثر انضباطاً في وتيرة نمو إنفاقها.
تشير شركة "إمبيريكال ريسيرش" إلى وجود فجوة متزايدة بين تباطؤ نمو الإنفاق الرأسمالي من جهة، والتوقعات المرتفعة جداً لإيرادات شركات الرقائق وغيرها من موردي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. ما يعني أن أحد الجانبين لا بد أن يتغير.
قالت الشركة: "إما أن تتم مراجعة مسار الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة صعوداً مرة أخرى، أو أن نمو الإيرادات المتوقع لمورديها سيتعين أن يأتي من مصادر أخرى".
قد يؤدي تصاعد المعارضة المحلية لمراكز البيانات في الولايات المتحدة إلى إبطاء نمو الإنفاق. وتقدر شركة "إمبيريال ريسيرش" أن نحو 70 في المائة من مشاريع مراكز البيانات تواجه درجات متفاوتة من المعارضة.
أصبحت ولاية نيويورك، يوم الثلاثاء، أول ولاية أميركية توقف إنشاء مراكز بيانات جديدة كبيرة. بعد فرضها وقفاً مؤقتاً لمدة عام، في ظل تنامي المخاوف من أن المنشآت التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي تؤدي إلى رفع تكاليف الكهرباء، واستنزاف موارد المياه، وزيادة الأعباء على المجتمعات المحلية.
مع ذلك، لا تزال شهية المستثمرين تجاه البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قوية؛ إذ تُظهر بيانات "مورنينغ ستار" أن الصناديق المتخصصة في الرقائق استقطبت تدفقات صافية قياسية بلغت 10 مليارات دولار حتى مايو.
قال يوريين تيمر، مدير الاقتصاد الكلي العالمي في شركة "فيديليتي إنفستمنتس"، إن الطلب على قدرات الحوسبة لا يزال قوياً. وإن التقلبات الأخيرة قد لا تكون سوى موجة تصحيح مؤقتة.
شبّه التراجعات الأخيرة بحركات التصحيح الدورية التي شهدتها طفرة الإنترنت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن الأسهم القيادية آنذاك تعرضت مراراً لانخفاضات تراوحت بين 20 في المائة و30 في المائة قبل أن تستأنف صعودها.
قال: "قصة الذكاء الاصطناعي معروفة. وما زالت مستمرة. والأرباح لا تزال تدعم هذا الاتجاه".
ومع ذلك، يرى تيمر أنه ينبغي للمستثمرين تنويع محافظهم، مشيراً إلى أن القطاعات المستفيدة من تبني الذكاء الاصطناعي، مثل القطاع المالي، قد تصبح ذات أهمية متزايدة إلى جانب الشركات المستفيدة من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وأضاف: "أريد المشاركة في هذه الطفرة. لكنني أريد أيضاً حماية نفسي إذا تبين أن هذه الطفرة قد تجاوزت حدودها".

