تواجه الولايات المتحدة تحولا تاريخيا قد ينهي هيمنتها التي امتدت لأكثر من قرن على تجارة الغذاء العالمية. وأوضحت تقارير صحفية أن تضافر عوامل الحرب التجارية مع الصين وتراجع أسعار المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج دفع أكبر قوة زراعية في العالم نحو فقدان موقعها كأكبر مصدر للمنتجات الزراعية لصالح البرازيل.
وكشفت البيانات أن الأزمة لا تكمن في ضعف الإنتاج، حيث تواصل المزارع الأمريكية تحقيق محاصيل قياسية، بل في تراجع القدرة على تحويل هذه المحاصيل إلى أرباح مجدية. وأظهرت نماذج من ولاية أيوا أن المزارع التي تحقق إنتاجية تاريخية تعاني من هوامش ربح متآكلة ونفقات تشغيلية مرتفعة، مما يضطر المزارعين للاعتماد بشكل متزايد على الدعم الحكومي لتعويض خسائر الأسواق الخارجية.
وبينت رابطة مكاتب المزارع الأمريكية أن المنتجين يتجهون نحو تسجيل خسائر كبيرة في محاصيل استراتيجية مثل فول الصويا والذرة والقمح والقطن، مما يعكس أزمة هيكلية تتجاوز الدورات السعرية المؤقتة. وأضافت التقارير أن عام 2026 قد يشهد انتقال صدارة الصادرات الزراعية العالمية من واشنطن إلى برازيليا، خاصة مع توسع البرازيل في إنتاج فول الصويا ولحوم الأبقار والقطن.
وأوضحت التحليلات أن نقطة التحول تعود إلى عام 2018 حين فرضت الإدارة الأمريكية رسوما جمركية على الصين، وردت بكين باستهداف المنتجات الزراعية الأمريكية. وأدى ذلك إلى اتجاه الصين نحو البرازيل كشريك تجاري موثوق، حيث ترسخت علاقات استثمارية في مجالات التخزين والنقل يصعب تغييرها حاليا، مما حول الولايات المتحدة بالنسبة للعديد من المشترين إلى مورد احتياطي بدلا من المورد الأساسي.
وأظهر النموذج البرازيلي كفاءة متزايدة تعتمد على إنتاج محاصيل متعددة في الموسم الواحد، مع الاستفادة من وفرة الأراضي وتطور الأبحاث الزراعية. وفي المقابل، أصبحت المزارع الأمريكية تعتمد بشكل متزايد على الطلب المحلي المدعوم حكوميا، لا سيما في صناعة الإيثانول التي تستهلك جزءا كبيرا من محصول الذرة.
وأكد خبراء أن تداعيات هذه الأزمة تمتد لتشمل المجتمعات الريفية في الولايات المتحدة، حيث يؤدي تراجع ربحية المزارع الصغيرة إلى ضعف النشاط الاقتصادي المحلي. وفي المقابل، تشهد مناطق الإنتاج في البرازيل نموا سكانيا واقتصاديا متسارعا، مما يعكس انتقال مركز الثقل الزراعي العالمي من الغرب الأوسط الأمريكي إلى قلب البرازيل، في تحول ينهي مرحلة كانت فيها واشنطن تحدد اتجاه التجارة الزراعية الدولية.

