أصبحت البيانات والخوارزميات تشكل في الوقت الراهن جزءا محوريا من آليات إدارة المدن، بدءا من خدمات التوصيل والملاحة وصولا إلى قطاعات التأمين والإسكان والائتمان. وأوضح خبراء أن هذه الجغرافيا الرقمية غير المرئية قد تعيد إنتاج أنماط من العزل الاجتماعي والاقتصادي، مكرسة بذلك أوجه عدم المساواة التقليدية عبر أدوات تقنية أقل وضوحا، وهو ما ينتج عنه ما يُعرف مجازيا بالمدن التائهة، وهي أحياء موجودة واقعيا لكنها شبه غائبة عن الخوارزميات التي باتت تتحكم في فرص سكانها اليومية.
وكشفت ممارسات تاريخية مثل الخط الأحمر عن جذور التمييز العنصري في التخطيط العمراني، حيث كانت مؤسسات القروض تصنف الأحياء بناء على التركيبة العرقية ومستويات الدخل، مما أدى إلى حرمان مناطق كاملة من الاستثمارات والخدمات لعقود. وأشار المختصون إلى أن التمييز الجغرافي الخوارزمي الحالي يمثل امتدادا لهذه الممارسات، حيث تعتمد الخوارزميات على بيانات تاريخية محملة بالتحيزات السابقة لتصنيف الأحياء كوجهات عالية المخاطر أو منخفضة الربحية، مما يترتب عليه حرمان سكانها من خدمات التوصيل السريعة أو فرض رسوم ديناميكية مرتفعة عليهم.
وبينت تقارير تقنية أن منصات التوصيل والخدمات اللوجيستية تستخدم نماذج تنبؤية لبناء خرائط حرارية للربحية، مما يحول بعض الأحياء إلى صحارى طعام رقمية. وأظهرت تحقيقات استقصائية كيف استثنت شركات كبرى بعض المناطق ذات الأغلبية العرقية من خدماتها مع استمرار تحصيل الرسوم من سكانها، في حين كشفت دراسات أن تطبيقات النقل التشاركي تفرض أسعارا أعلى في الأحياء الفقيرة أو التي تقطنها أقليات، بناء على معايير تسعير ديناميكية ترتبط ببيانات جغرافية وسكانية.
وأضافت التحليلات أن تطبيقات الملاحة الذكية تساهم أيضا في تغيير هوية الأحياء، حيث تفضل الخوارزميات توجيه حركة المرور عبر طرق معينة لتقليل أوقات الانتظار، مما يؤدي إلى تضرر الأحياء السكنية الهادئة بالازدحام والتلوث، أو انكماش النشاط التجاري في المناطق التي تتجنبها الخوارزمية. كما أكد تقرير لمعهد غرينلاينينغ أن مؤسسات التمويل تستخدم نماذج ذكاء اصطناعي تعتمد على الرمز البريدي في تقييم الجدارة الائتمانية، مما يؤدي إلى رفض طلبات قروض الأقليات بشكل منهجي حتى عند تساوي الميزات المالية.
وأوضح المراقبون أن الحل لا يكمن في رفض التقنية، بل في إعادة توجيهها لخدمة العدالة المكانية. وأكدت التوصيات على ضرورة إجراء تدقيق مستقل للخوارزميات، وإيقاف الاعتماد المفرط على البيانات المتحيزة، وإشراك المجتمعات في تصميم الأنظمة التقنية، إلى جانب فرض سياسات تضمن توفير حد أدنى من الخدمات لجميع الأحياء، لضمان تحول المدن من مجرد مساحات لتحقيق الأرباح إلى فضاءات إنسانية تعزز تكافؤ الفرص.

