يواجه المواطن الليبي ازمات معيشية متفاقمة رغم تدفق مليارات الدولارات سنويا من عائدات النفط على الموازنة العامة. وكشفت بيانات ديوان المحاسبة عن فجوة كبيرة بين حجم الانفاق العام وما ينعكس فعليا على مستوى الخدمات. اذ ارتفعت واردات الوقود بشكل ملحوظ دون ان ينهي ذلك ازمات انقطاع الكهرباء او طوابير الوقود.
واوضح وزير الاقتصاد الليبي السابق سلامة الغويل ان المشكلة تكمن في طريقة ادارة الانفاق وليس في حجم الاعتمادات المالية. واضاف ان الجزء الاكبر من الميزانية يوجه نحو المرتبات والدعم والمصروفات التشغيلية على حساب الانفاق الاستثماري. مبينا ان غياب الميزانية الموحدة والانقسام المؤسسي اضعفا القدرة على قياس نتائج الانفاق ومحاسبة الجهات المقصرة.
وكشفت مراجعات رقابية عن اختلالات هيكلية في منظومة استيراد الوقود وتوزيعه. واظهرت المراجعة تقلص عدد الشركات الموردة مع منح عقود ضخمة لشركات حديثة التأسيس تفتقر للخبرة. واشار التقرير الى ان تكلفة استيراد الوقود تتجاوز بمرات تكلفة انتاجه محليا. في وقت تعمل فيه المصافي المحلية باقل من طاقتها التصميمية.
وقال عضو اللجنة العليا لمكافحة الفساد عبد المنعم ابو زيد ان استمرار استنزاف الدعم يرتبط بثغرات في الحوكمة وليس بنقص الرقابة. وذكر ان معالجة الازمة تتطلب اصلاحا جذريا عبر الرقابة الالكترونية على دورة الوقود كاملة. واكد ان الهدر في الدعم يستنزف موارد ضخمة كان يمكن توجيهها لقطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
وتعاني قطاعات اخرى من نفس الاشكالية. حيث تواجه شبكة الكهرباء عجزا مستمرا في الانتاج. واظهرت المراجعات ان كفاءة استهلاك الوقود في محطات التوليد تقل كثيرا عن المعدلات الدولية. كما يعاني قطاع الدواء من غياب قاعدة بيانات وطنية وتداخل الاختصاصات بين مئات الشركات والجهات مما يؤثر على كفاءة وصول الدواء للمواطنين.
واشار خبراء وتجار الى ان القطاع الزراعي يعاني ايضا من الاعتماد المفرط على الاستيراد وضعف ادارة الدعم. واوضحوا ان تعقيد اجراءات الاعتمادات المستندية وارتفاع تكاليف النقل الداخلي بسبب نقص الوقود زاد من معاناة المواطنين. وشدد الغويل على ضرورة الانتقال الى نموذج تمويل النتائج وربط الانفاق بمؤشرات اداء واضحة لضمان تحويل الموارد الى خدمات ملموسة.

