تشهد الولايات المتحدة تحولات تكنولوجية متسارعة مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية متخصصة إلى قوة اقتصادية واجتماعية تؤثر في كافة تفاصيل الحياة اليومية. وأظهرت التطورات الحالية أن هذا التحول خلق حالة من التنافس المحموم بين الشركات والعمال، حيث يسعى البعض للحفاظ على مهنهم بينما تتسابق أطراف أخرى لجني الثروات الناتجة عن هذه الطفرة التقنية. وأوضحت الشركات أنها بدأت بالفعل في الاعتماد على النماذج التوليدية والوكلاء الذكيين لأتمتة المهام وتحليل البيانات، بالتوازي مع توسع الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للطاقة.
وبينت دراسة حديثة لـ بي سي جي أن حوالي 50% إلى 55% من الوظائف في أمريكا قد تشهد تغيرا جوهريا خلال السنوات القليلة المقبلة، مؤكدة أن أتمتة المهام لا تعني بالضرورة زوال الوظائف بشكل كامل. وأشار مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى توقعات بنمو العمالة بنسبة 3.1% بحلول عام 2034، مع تركز الفرص في قطاعات الرعاية الصحية والخدمات التقنية. وأضاف المكتب أن الطلب على وظائف نوعية مثل علماء البيانات ومحللي أمن المعلومات سيشهد قفزات كبيرة، مما يعكس تحولا في طبيعة المهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث.
وكشف استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن 52% من العاملين يشعرون بالقلق تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل، بينما أبدى 36% تفاؤلهم تجاه هذه التقنية. وأظهرت الأرقام أن نسبة العمال الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في مهامهم ارتفعت إلى 21% في عام 2025، مما يشير إلى تغلغل تدريجي للأدوات الذكية في بيئات العمل، مع بروز فجوة واضحة في الفرص أمام الشباب والخريجين الجدد الذين يواجهون تحديات أكبر في سوق العمل.
وأوضح خبراء أن الاقتصاد الأمريكي يعيد توجيه استثماراته نحو البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، مما يعزز قطاعات مثل البناء والطاقة والخدمات الصناعية. وأضافت تحليلات اقتصادية أن هذه الاستثمارات تدعم النمو في ظل تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، رغم تحذيرات صندوق النقد الدولي من ضغوط تضخمية محتملة نتيجة الإنفاق المبكر على تقنيات لم تحقق مكاسب إنتاجية كاملة بعد.
وخلصت تقارير إلى أن واشنطن باتت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كقضية أمن قومي وإستراتيجية وطنية، حيث أطلقت الإدارة الأمريكية أطرا تشريعية وإجراءات لحماية البنية التحتية والابتكار لضمان التفوق التكنولوجي أمام المنافسة الدولية. وأكد المراقبون أن المرحلة القادمة ستتحدد بناء على كيفية إدارة البلاد لهذه الثورة التقنية، مع التركيز على تدريب العمالة وتقليص الفجوات الاقتصادية بدلا من الاكتفاء بامتلاك الأدوات فقط.

