يواجه ميناء عدن في اليمن مفارقة صعبة، حيث يقف قرب واحد من أكثر الممرات البحرية اضطرابا في العالم، مما يجعله في قلب معادلة التجارة الدولية المعقدة. أوضح مراقبون أن موقعه الاستراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر لا يضمن له تلقائيا الاستفادة من التحولات الملاحية، خاصة مع تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين التي تدفع شركات الشحن لإعادة رسم مساراتها.
كشفت تقارير ملاحية أن شركة هاباغ لويد علقت الحجوزات الجديدة للميناء حتى إشعار آخر، مشيرة إلى أن الوضع الإقليمي يمنع توفير اتصال موثوق للشحنات. وأضاف خبراء أن عودة بعض الشركات الملاحية جزئيا إلى مسار البحر الأحمر لا تعني بالضرورة زيادة في نشاط الرسو داخل ميناء عدن، وهو ما يمثل تحديا جوهريا للميناء.
قال فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية، إن اضطرابات باب المندب لا تمنح عدن فرصة تلقائية، بل إنها قد تدفع السفن للابتعاد عن الممر بالكامل نحو رأس الرجاء الصالح. وأضاف النجار أن استغلال أي فرصة يتطلب عودة الملاحة لطبيعتها، مع التركيز على عوامل حاسمة مثل قسط التأمين، وزمن دوران السفينة، وتكاليف التخليص الجمركي.
أظهرت بيانات تجارية أن تكاليف الشحن إلى موانئ المنطقة ارتفعت بنسب تتراوح بين 200% و400% خلال الأزمة الراهنة. وأوضح التجار أن هذه الزيادات في أجور النقل وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب تنعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، مما يضع ضغوطا إضافية على السوق المحلية.
أكدت مصادر عمالية داخل الميناء أن حركة الشحن تراجعت خلال الفترة الأخيرة بفعل التوترات الأمنية وعودة نشاط القرصنة في خليج عدن. وبينما تمتلك محطة الحاويات مواصفات تقنية قادرة على استقبال سفن كبيرة، إلا أن سنوات الحرب ونقص الصيانة أثرت على القدرة التشغيلية، مما يجعل المنافسة مرهونة بكفاءة المعدات وإنتاجية الرصيف.
أشار النجار إلى أن التوجه نحو زيادة الرحلات المباشرة يمثل أداة فعالة لخفض تكاليف الاستيراد وتقليص الحلقات الإضافية في سلاسل الإمداد. كما أوضح أن مستقبل الميناء يتوقف على تطوير الخدمات البحرية، مثل تزويد السفن بالوقود والصيانة، بدلا من الرهان فقط على استعادة دور المسافنة الإقليمي الذي يتطلب بيئة تشغيلية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
كشفت السلطات المحلية عن خطط لتحديث المخطط العام للميناء بدعم دولي، إلا أن تنفيذ هذه الطموحات يظل مرتبطا بمدى قدرة الميناء على تقديم خدمات تنافسية. واختتم المسؤولون بالتأكيد على أن الميناء لا يسعى لطلب الثقة من الخطوط الملاحية، بل يعمل على توفير بيئة عمل مستقرة تضمن استمرارية التدفق التجاري رغم التحديات الأمنية المحيطة.

