يؤدي الارتفاع المتواصل في مؤشرات التضخم وتوسع رقعة الفقر في لبنان إلى تآكل ما تبقى من فرص التعافي الاقتصادي والمعيشي. وأظهرت تقارير حديثة أن الحرب والاضطرابات أجهزت على معظم المكاسب التي تم تحقيقها لاستعادة النمو الإيجابي، مع تعثر مسارات الخروج من الانهيارات النقدية والمالية التي تعاني منها البلاد.
كشف تقرير محدث للبنك الدولي أن عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي وصل إلى نحو 1.24 مليون شخص، مقارنة بـ 874 ألف شخص في العام السابق، مع تصدر مناطق الجنوب والنبطية لقائمة المناطق الأكثر تضرراً. وبين التقرير أن التضخم الغذائي سجل متوسطاً بلغ 20 في المائة خلال العام الحالي، بمعدل 2 في المائة شهرياً.
حذرت مصادر قطاعية ونقابية من أن هذه المعطيات تنذر بتدهور معيشي أكثر حدة، قد يدفع إلى موجة من الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية. وأوضحت المصادر أن الحكومة تواجه تحديات تفوق في اتساعها أزمتها الحالية مع موظفي القطاع العام، حيث يؤدي تدني المداخيل أمام غلاء الأسعار إلى إضرابات متقطعة تزيد من شلل المؤسسات الرسمية وتؤثر على انسياب واردات الخزينة.
أضاف البنك الدولي أن تدهور الأوضاع المعيشية تفاقم نتيجة تصاعد الأعمال العدائية، مما زاد من اعتماد الأسر النازحة على شبكات الدعم غير الرسمية. وأشار إلى أن تقليص إمدادات الكهرباء أجبر المواطنين على تحمل تكاليف إضافية باهظة لاشتراكات المولدات الخاصة، مما أدى إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية.
كشفت البيانات الرسمية عن تقديرات بخسائر مالية تتجاوز 70 مليار دولار، تضاف إليها خسائر اقتصادية وإعمارية ناتجة عن التصعيد العسكري تجاوزت 27 مليار دولار. وتوقع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الحالي، مما ينهي حالة الانتعاش الهش التي سجلت سابقاً.
أظهر التقرير في الوقت ذاته استمرار المالية العامة في تسجيل فائض بلغ مليار دولار بفضل ارتفاع الإيرادات الحكومية، إلا أن النفقات العامة ارتفعت أيضاً بنسبة 23.7 في المائة بسبب زيادة الرواتب والنفقات المرتبطة بالنزاع. وأشار إلى أن عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 8.8 في المائة، متأثراً بتراجع الصادرات وزيادة تكاليف استيراد الطاقة.
أوضح البنك المركزي من جانبه أن استقرار سعر الصرف يرتبط بشح السيولة بالعملة الوطنية، في حين تراجعت احتياطيات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي لتصل إلى 11.6 مليار دولار، مما يضع ضغوطاً إضافية على الحساب الجاري وقدرة البلاد على تغطية المستوردات.

