دخلت المواجهة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) مرحلة جديدة بعد فتح تحقيق جنائي مع رئيسه جيروم باول. وقد خرج باول عن صمته في تسجيل مصور، معتبرًا أن هذا التحقيق يجب أن يُقرأ في إطار الضغوط على المؤسسة المصرفية الأميركية الكبرى لخفض الفائدة وفق رغبة الرئيس الجمهوري.
أبدى بعض حلفاء ترامب تفاؤلهم بأن حملة الضغط ستُجبر باول على الاستسلام والاستقالة قبل انتهاء ولايته كرئيس لمجلس الاحتياطي الفدرالي في مايو/أيار المقبل. وقد تضمن ذلك مغادرته المجلس في ذلك الوقت، مما سيوفر لترامب فرصة ثانية لملء مقعد شاغر في المركزي الأميركي المكون من سبعة أعضاء، حسبما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال.
يتعلق التحقيق مع باول بمشروع ترميم مقر الاحتياطي الفدرالي في واشنطن بكلفة 2.5 مليار دولار. وهو الملف الذي شكل محور انتقادات متكررة من ترامب على خلفية ما يعتبره سوء إدارة.
أهداف ترامب من انتقاد المركزي الأميركي
يضغط ترامب على المركزي الأميركي من أجل خفض الفائدة لتحقيق عدة أهداف، منها خفض كلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، مما يشجع الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي ويرفع وتيرة النمو. كما يهدف إلى زيادة الاستثمار في الأسهم ما يرفع تقييماتها.
ومن الأهداف الأخرى إضعاف الدولار، مما يجعل الصادرات الأميركية أكثر تنافسية ويقلص العجز التجاري، بالإضافة إلى خفض كلفة الدين العام. وفي المجمل، تصب هذه الأهداف في صالح الحزب الجمهوري الذي يمثله ترامب في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.
في المقابل، يضع باول والاحتياطي الفدرالي نصب أعينهم خفض الفائدة إلى 2% (من 2.7% حاليًا) كهدف أساسي. ولتحقيق هذا الهدف، يستخدمون أداة رفع الفائدة وخفضها مع وصول التضخم إلى المستهدف لتنشيط الاقتصاد.
التداعيات على أسواق السلع والسندات
لكن التداعيات الأكثر وضوحًا تظهر في تداولات الأسواق، خاصة في وسط حالة عدم اليقين التي أحدثتها السياسات التجارية للرئيس ترامب. وشملت سياسات ترامب فرض تعريفات جمركية أحدثت مواجهات مع الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأثرت على توجهات المتداولين في أسواق الأسهم والسلع والمعادن وحتى العملات المشفرة.
وصعدت أوقية الذهب في المعاملات الفورية إلى ذروة قياسية منذ بداية الأسبوع الجاري مدفوعة بحالة عدم اليقين تجاه السياسة النقدية بعد أنباء التحقيق مع باول. وسجل المعدن الأصفر أعلى قمة تاريخية خلال جلسة أمس الأربعاء عند 4642.72 دولارًا.
وفي أحدث تعاملات اليوم الخميس، تراجع الذهب مع سعي ترامب لطمأنة المستثمرين بالقول إنه ليس لديه خطط لإقالة جيروم، على الرغم من التحقيق الجنائي الذي تجريه وزارة العدل معه. لكن من "السابق لأوانه" الكشف عما سيفعله في نهاية المطاف.
التأثير على التضخم
قال رئيس بنك "جيه بي مورغان"، أكبر بنك في الولايات المتحدة، خلال مكالمة هاتفية لمناقشة الأرباح: "كل من نعرفهم يؤمنون باستقلالية مجلس الاحتياطي الفدرالي". وأي إجراء يقوض ذلك ليس فكرة جيدة على الأرجح، بل سيؤدي، في رأيه، إلى نتائج عكسية، سيرفع ذلك من توقعات التضخم وربما يزيد أسعار الفائدة مع مرور الوقت، وفق صحيفة الغارديان البريطانية.
ويؤدي انخفاض قيمة الدولار بشكل مباشر إلى زيادة تكلفة استيراد المنتجات من الخارج بالنسبة للشركات الأميركية. كما تزيد تكلفة سفر أو دراسة المستهلكين في الخارج، مما يؤدي إلى رفع مستوى "التضخم المستورد". كما يقلل ذلك من قيمة الصادرات الأميركية، لأن المنتجات التي تُدفع قيمتها بالعملات الأجنبية ستصبح أقل قيمة بالدولار مما كانت عليه من قبل.
التأثير على الاقتصاد العالمي
حذرت سيتي غروب الأميركية من أن مخاطر استقلالية البنوك المركزية من قبل الحكومات الشعبوية قد تمتد إلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة. ويؤدي خفض الفائدة الأميركية – إذا تم تحت ضغط ترامب – إلى خروج الاستثمارات من السندات الأميركية إلى الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية للاستفادة من فرق الفائدة في هذه الأسواق.
لكن ستكون الأصول في الأسواق المتقدمة الأخرى في العالم جذابة لهذه الأموال التي تتجنب مخاطر حالة الضبابية الأميركية، لتضاف إلى الملاذات الآمنة. وقال الرئيس التنفيذي لشركة ريتشارد بيرنشتاين أدفايزرز: "لا خير يرجى من التشكيك في استقلالية أهم بنك مركزي في العالم. إن احتمال فقدان الاحتياطي الفدرالي لاستقلاليته يعزز الحاجة إلى مزيد من الاستثمار خارج الولايات المتحدة"، وفق ما نقلت عنه وول ستريت جورنال.
وأعلن حكام بنوك مركزية كبرى دعمهم الكامل لمجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي ورئيسه جيروم باول. مؤكدين في بيان مشترك أهمية الحفاظ على استقلاليته.







