أعادت الشركات الأوروبية التأقلم مع اتفاقيات الرسوم الجمركية التي أبرمتها الولايات المتحدة العام الماضي، ولكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعاد هذه الشركات إلى دائرة القلق بعد تهديده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تعارض ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.
قال ترمب يوم السبت إنه سيفرض رسوماً جمركية متصاعدة بدءاً من 1 فبراير المقبل على البضائع المستوردة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا، بالإضافة إلى بريطانيا والنرويج، حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وأضاف أن هذه الخطوة وصفتها دول الاتحاد الأوروبي الكبرى بأنها ابتزازية.
في يوم الأحد، توصل سفراء الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مبدئي لتكثيف الجهود الرامية إلى ثني ترمب عن فرض هذه الرسوم، مع إعداد حزمة من الإجراءات الانتقامية في حال تنفيذها. وأوضح دبلوماسيون أن هذه الخطوة المفاجئة أثارت اضطراباً في قطاع الصناعة وأحدثت صدمة في الأسواق، وسط مخاوف من عودة تقلبات الحرب التجارية التي اندلعت العام الماضي.
ردود الفعل الأوروبية على التهديدات
قال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة آي جي، إن هذا التوتر الأخير أدى إلى تفاقم المخاوف بشأن احتمال انهيار تحالفات الناتو وتعطيل الاتفاقيات التجارية التي أُبرمت العام الماضي مع العديد من الدول الأوروبية. وأشار إلى أن ترمب أعلن في منشور على موقع تروث سوشيال أن رسوم استيراد إضافية بنسبة 10% ستدخل حيز التنفيذ الشهر المقبل على السلع الآتية من الدول الأوروبية المذكورة.
تتعرض هذه الدول بالفعل لرسوم جمركية فرضها الرئيس الأميركي العام الماضي تتراوح بين 10% و15%. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي، الذي بلغ حجم تجارته مع الولايات المتحدة في السلع والخدمات 1.5 تريليون دولار عام 2024، عازم على الرد. وتشمل الشركات الأوروبية المتأثرة شركات تصنيع سيارات كبرى في ألمانيا وشركات أدوية في الدنمارك وآيرلندا، بالإضافة إلى شركات سلع استهلاكية وفاخرة من إيطاليا إلى فرنسا.
من المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي الخيارات المتاحة خلال قمة طارئة تُعقد في بروكسل يوم الخميس، بما في ذلك حزمة تعريفات جمركية بقيمة 93 مليار يورو على الواردات الأميركية، قد تدخل حيز التنفيذ تلقائياً في 6 فبراير المقبل بعد تعليقها لمدة 6 أشهر. كما يجري النظر في استخدام أداة مضادة للإكراه، والتي يمكن أن تحد من الوصول إلى المناقصات العامة أو الاستثمارات أو الأنشطة المصرفية.
تداعيات الرسوم الجمركية على الشركات
قال كارستن نيكل، نائب مدير الأبحاث بشركة تينيو في لندن، إن المسار الأرجح هو العودة إلى الحرب التجارية التي عُلّقت بموجب اتفاقيات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وأكد أن السؤال الأهم هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيحصر المواجهة في حرب تجارية تقليدية أم ستسود الدعوات لموقف أشد صرامة.
بالنسبة إلى الشركات، فإن هذه التطورات تضيف مستوى آخر من صعوبة اتخاذ القرارات، وفق سوزانا ستريتر، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في مجموعة ويلث كلوب. وأضافت أنه بعد أن اضطرت هذه الشركات بالفعل إلى محاولة استيعاب الرسوم الجمركية الحالية، فلن يكون هناك مجال كبير لتحمل المزيد، لذا فمن المرجح أن تُحمَّل هذه الرسوم الجديدة على المستهلكين الأميركيين.
نظراً إلى الطبيعة المضطربة للتعاملات التجارية مع الولايات المتحدة، فسيسعى كثير من الشركات إلى تنويع مصادر دخلها والبحث عن عملاء جدد في دول أقل إشكالية. وأشار نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، إلى أن بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل إسبانيا وإيطاليا، لم تكن مدرجة على قائمة الرسوم الجمركية، مما قد يؤدي إلى إعادة توجيه التجارة داخل الاتحاد الأوروبي لتجنب الرسوم.
التأثيرات الاقتصادية المحتملة على الطرفين
أضاف محللون أن الرسوم الجمركية الجديدة، في حال فرضها، قد تضر ترمب أيضاً، إذ سترفع الأسعار في الولايات المتحدة وتؤدي إلى تسريع الصادرات قبل بدء سريان الرسوم. كما ستشجع الشركات على البحث عن أسواق جديدة. وأشار هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين بمجموعة بيرنبيرغ للاستثمار، إلى أن هذا الأمر يمثل مشكلة جيوسياسية كبيرة، لكنه قد ينقلب ضد ترمب أيضاً.
وأضاف أن المنطق يشير إلى أن النتيجة المرجحة ستحترم حق غرينلاند في تقرير المصير، وتعزز الأمن في القطب الشمالي لحلف شمال الأطلسي، وتتجنب إلى حد كبير الضرر الاقتصادي لأوروبا والولايات المتحدة.







