يدخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المرتقب يوم الأربعاء المقبل في حالة من الترقب الاستثنائي. حيث تشير المعطيات الاقتصادية والبيانات الصادرة عن الأسواق المالية إلى قرار شبه مؤكد بتثبيت أسعار الفائدة. ورغم أن الجمود هو العنوان التقني العريض لهذا الاجتماع، فإن الكواليس تشهد دراما سياسية وقانونية؛ حيث يجد رئيس المجلس جيروم باول نفسه في مواجهة مباشرة للدفاع عن استقلالية البنك المركزي أمام ضغوط علنية وتحقيقات جنائية غير مسبوقة تقودها إدارة الرئيس دونالد ترمب. بالتزامن مع صعود أسماء جديدة مرشحة لخلافته، وعلى رأسهم ريك ريدر.
ولا يقتصر المشهد على قرار الفائدة فحسب، بل يتداخل مع انطلاق أسبوع حافل بأرباح أكبر شركات التكنولوجيا وتوترات جيوسياسية متصاعدة. حيث تشير التوقعات الاقتصادية والأسواق المالية، وتحديداً وفق أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة "سي إم إيه"، إلى أن نسبة المراهنة على تثبيت أسعار الفائدة عند نطاقها الحالي بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة قد بلغت 97 في المائة. هذا التوجه يعكس رغبة اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في التزام الهدوء لأشهر عدة لتقييم أثر التخفيضات الثلاثة المتتالية التي أُقرَّت العام الماضي والتي بلغت في مجموعها 75 نقطة أساس.
رهان التثبيت
يأتي هذا التريث في ظل ظروف اقتصادية معقدة؛ حيث ظل التضخم فوق مستهدف البنك البالغ 2 في المائة منذ عام 2021. بينما تظهر سوق العمل بوادر تباطؤ حقيقي في التوظيف، وهي أرقام يراها المحللون مشوهة نتيجة الإغلاق الحكومي الذي حدث في أكتوبر ونوفمبر الماضيين. مما يجعل من الصعب بناء قرار نقدي حاسم في الوقت الراهن.
داخل أروقة اللجنة المكونة من 12 عضواً، لا يبدو الإجماع كاملاً؛ حيث يشير محللون في مؤسسة "نومورا" إلى أن الاجتماع قد يشهد معارضة وحيدة من الحاكم ستيفن ميران الذي يتبنى علانية مطالب ترمب بضرورة إجراء تخفيضات حادة وفورية. وكتب هؤلاء في تعليق لهم: "نتوقع أن تُبقي لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يناير، مع اعتراض واحد من المحافظ ميران الذي أيَّد خفضها".
انقسام داخلي
وفي سياق متصل، أظهر أحدث استطلاع أجرته وكالة "بلومبرغ" تحولاً جوهرياً في توقعات الخبراء؛ فبينما كانت التوقعات الشهر الماضي تشير إلى خفض الفائدة في مارس، يرى الاقتصاديون الآن أن أول خفض لن يلوح في الأفق قبل يونيو 2026، وذلك بسبب استمرار الضغوط التضخمية التي يُتوقع بقاؤها فوق المستهدف حتى منتصف العام المقبل.
تنتقل الإثارة من أرقام الفائدة إلى منصة المؤتمر الصحافي، حيث من المتوقع أن يواجه باول سيلاً من الأسئلة الصعبة حول تحقيقات وزارة العدل الأميركية التي تستهدفه شخصياً، وحول الإجراءات القانونية المتخذة ضد المحافظة ليزا كوك بتهم "الاحتيال العقاري". وكان باول قد كسر بروتوكول الصمت في وقت سابق من هذا الشهر عبر رسالة فيديو ندَّد فيها بهذه التحقيقات واصفاً إياها بمحاولات الترهيب الرامية لدفعه نحو الاستقالة أو الرضوخ لمطالب البيت الأبيض بخفض الفائدة.
صراع الاستقلالية
ويرى الخبراء أن باول سيحاول "المراوغة" وتجنب الأسئلة السياسية مع التشديد على أن استقرار الاقتصاد مرهون بالاستقلالية بعيداً عن ضغوط السلطة التنفيذية. وعلى الجانب الفني، يراقب الاحتياطي الفيدرالي بقلق ارتفاع معدلات الفائدة الفعلية التي وصلت إلى 14 نقطة أساس فوق الحد الأدنى، مما دفع البنك لضخ 65 مليار دولار في برنامج شراء الأذون لتهدئة المخاوف بشأن نقص السيولة. ويتوقع المحللون أن خطاب باول يوم الأربعاء سيحاول فيه تبرير الجمود، وقد يمنح الدولار دعماً مؤقتاً أمام الين واليورو.
بينما يدافع باول عن منصبه، تبرز في الأفق ملامح القيادة الجديدة؛ حيث لفت ريك ريدر، كبير مسؤولي الاستثمار في "بلاك روك"، الأنظار بعد أن وصفه ترمب في دافوس بالمبهر للغاية والمثير للإعجاب. ويعد ريدر المرشح الأبرز حالياً ضمن قائمة مختصرة تضم أيضاً كريس والر وكيفن وارش، في حين يبدو أن ترمب يفضِّل إبقاء كيفن هاسيت في البيت الأبيض نظراً لتميزه في الظهور التلفزيوني.
صعود نجم ريك ريدر
إن ما تعزِّز فرص ريدر هي خلفيته البعيدة عن البنك المركزي، مما يجعله في نظر ترمب "اليونيكورن" المالي القادر على تنفيذ تغييرات جذرية وكسر تقاليد المؤسسة. في وقت تترقب فيه الأسواق الإعلان الرسمي عن اسم رئيس الفيدرالي الجديد الأسبوع المقبل، ليكون واحداً من أكثر القرارات تأثيراً في مسار الاقتصاد العالمي للسنوات المقبلة.







