أصبحت الزيارات الخارجية وعقد الاتفاقيات والبحث عن حلفاء جدد أولوية قصوى في أجندة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني منذ توليه منصبه في مايو 2025، لا سيما مع تصاعد التوترات التجارية والسياسية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وقد كان آخر فصول هذا التصعيد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على جميع السلع الكندية الواردة إلى الولايات المتحدة إذا مضت كندا قدما في اتفاق تجاري مع الصين.
يعكس هذا الانفتاح السريع على العالم استراتيجية واضحة لتنويع الشراكات الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الجارة الأمريكية التي تستحوذ على أكثر من 75% من الصادرات الكندية.
استراتيجية الانفتاح على العالم
لكن هذه الخطوة بدأت تثير تساؤلات في الأوساط المحلية والمعارضة حول استراتيجيته نحو استقلال اقتصادي أكبر. وعما إذا كان هذا الانفتاح على العالم الطريق الصحيح، أم أنه مخاطرة في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة والتوازنات العالمية الهشة.
أجرى كارني زيارات خارجية مكثفة أبرزها إلى فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا والفاتيكان وبلجيكا وهولندا وأوكرانيا وبولندا وألمانيا وسنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والصين والإمارات وقطر التي كانت أولى محطاته الخارجية.
وخلال جولاته الخارجية الأخيرة، عقد كارني اتفاقيات رئيسية لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الولايات المتحدة.
الاتفاقيات الرئيسية مع الشركاء العالميين
جاءت الاتفاقيات كالتالي: أكدت الدوحة التزامها بالاستثمار الاستراتيجي في مشاريع بناء الدولة الكندية الكبرى. وبالمثل، التزمت كندا بإرسال وفد من المستثمرين، يضم صناديق التقاعد الرئيسية التابعة لها إلى قطر لاستكشاف فرص الاستثمار الثنائي والمشترك. وعبر الطرفان عن التزامهما باستكمال المفاوضات بشأن اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار، بهدف توقيع الاتفاقية في صيف عام 2026.
فيما يتعلق بالإمارات، تم توقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، وإطلاق مفاوضات شراكة اقتصادية شاملة، مع التزام إماراتي باستثمار يصل إلى 50 مليار دولار في المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
أما مع الصين، فقد تم التوصل إلى اتفاق تجاري مبدئي تاريخي يشمل دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى كندا، مقابل تخفيض الصين لرسومها على بذور الكانولا الكندية من نحو 85% إلى حوالي 15%. بالإضافة إلى إلغاء تعريفات جمركية على منتجات أخرى مثل كسب الكانولا وأصناف من المأكولات البحرية.
الشراكة مع دول الخليج
بشأن استراتيجية حكومة كارني القائمة على الانفتاح على دول العالم والخليج العربي، يرى مستشار الأمن المالي مدين سلمان أن الشراكة مع دول الخليج العربي تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لتقليل المخاطر والأضرار الناجمة عن التعريفات الجمركية الأمريكية. ويمكن اعتبار هذه الشراكات الجديدة عاملا مهما في استراتيجية التنويع الاقتصادي.
ونوه سلمان بأن الانفتاح على دول الخليج والشراكة معها تحتاج إلى توازن في الإدارة مع دول أوروبا والهند واليابان والصين، والأهم الولايات المتحدة الأمريكية. إذ لا ينبغي أن تظهر هذه التحركات على أنها اتجاه نحو القطيعة مع الجار الأقرب.
من جهة أخرى، يقدّم الأستاذ المشارك في كلية العمل الاجتماعي بجامعة كالغاري، الدكتور يحيى اللهيب، تفسيرا سياسيا لخطوة الانفتاح على دول الخليج. معتبرا أن كارني، كاقتصادي نيوليبرالي أولا، وفي موقع رئاسة الحكومة الكندية ثانيا، يحاول الانفتاح للحفاظ على موقع كندا الاقتصادي في عالم بدأ يتحول ويعي أضرار النيوليبرالية الاقتصادية.
تأثير الزيارات على سوق العمل
وحول التأثير المتوقع لهذه الزيارات على فرص العمل والنمو الاقتصادي في كندا خلال السنوات المقبلة، يعتقد اللهيب أن هذه الزيارات تأثيرها لن يكون ملموسا على المدى القريب. خاصة أن كارني يستخدم هذا الانفتاح كورقة مساومة لتحسين موقف كندا في مفاوضاتها مع ترمب.
يضيف اللهيب أن هذه الزيارات تمثل محاولة للتخفيف من آثار هذا الانهيار، ومحاولة إيجاد نظام بديل دون آثار جانبية سلبية على كندا. أما تحسين أوضاع العمال وفرص العمل، فلا يُعد من أولويات الحكومة.
ويشير مدين سلمان إلى أن التأثير سيكون إيجابيا تدريجيا خلال السنوات الثلاث القادمة، من حيث ضخ الاستثمارات في الأسواق، ما يؤدي إلى إيجاد آلاف الوظائف عالية الجودة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
الآثار المترتبة على الاقتصاد الكندي
أشار سلمان إلى أن التأثير سيبقى محدودا مقارنة بحجم الاقتصاد الكندي، ولا يعوض كليا خسائر التعريفات الجمركية الأمريكية على المدى القصير. وبالتالي تبقى هذه الخطوة مهمة لكنها غير كافية لمعالجة الأزمة بشكل كامل. وازدادت الاقتصاد الكندي تدهورا منذ فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعريفات جمركية على المنتجات الكندية.
هذه التعريفات تصل إلى 35% على معظم السلع، و10% على الطاقة، ما أدى إلى انخفاض حاد في الصادرات إلى الولايات المتحدة التي تشكل أكثر من 70% من إجمالي الصادرات، وتباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة وتأثر قطاع السياحة.
في ظل تصاعد التوترات بين الحين والآخر بين الجارتين بشكل خاص، تبدو العلاقات السياسية والتجارية بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية أمام منعطف جديد قد يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي الإقليمي برمته.







