في خضم التوترات الجيوسياسية العالمية، أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ على رؤية بكين لعالم اقتصادي جديد قائم على التعددية والانفتاح. وقال إن هذا العالم يتمحور حول الأمم المتحدة والعولمة الاقتصادية. وأوضح أن هذا الموقف، الذي أُعلن خلال استقباله لرئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو في بكين، يُترجم إلى استراتيجية اقتصادية شاملة تمتد من الشراكة الأوروبية إلى أعماق القطب الشمالي.
وأضاف شي بوضوح أن الصين تسعى إلى تعزيز عالم متعدد الأقطاب قائم على العولمة الاقتصادية، مؤكداً ضرورة أن يبقى النظام الدولي قائماً على مبادئ الأمم المتحدة وليس على تحالفات مغلقة أو مسارات موازية. ويأتي هذا التصريح بعد إعلان الرئيس الأميركي عن مبادرة لإنشاء "مجلس سلام" بديلاً عن الأمم المتحدة، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق مصالح أميركية ضيقة.
من جهتها، تسعى الصين إلى تقديم نفسها كقوة استقرار اقتصادي عالمي، من خلال تعزيز الشراكات الثنائية والتكتلات التجارية القائمة، والابتعاد عن سياسات العزلة أو المواجهة.
القطب الشمالي.. الجبهة الاقتصادية الجديدة
ومن بين أبرز الملفات الاقتصادية ذات البعد الاستراتيجي التي طرحت خلال اللقاء الصيني الفنلندي، كان هناك اهتمام كبير بالقطب الشمالي. حيث تسعى الصين، التي تصف نفسها بـ"دولة شبه قطبية"، إلى لعب دور محوري في تطوير "طريق الحرير القطبي"، وهو ممر ملاحي جديد يُتوقع أن يُحدث تحولاً جذرياً في التجارة العالمية.
ومع انحسار الغطاء الجليدي بسبب التغير المناخي، أصبح القطب الشمالي يمثل ممراً تجارياً يختصر زمن العبور بين آسيا وأوروبا إلى النصف تقريباً، مما يعزز كفاءة سلاسل الإمداد ويقلل التكاليف اللوجستية بشكل كبير. وتطمح الصين إلى أن تكون جزءاً فاعلاً في هذا التحول، عبر الاستثمار في الموانئ القطبية والتعاون مع دول مثل فنلندا.
وتأتي انفتاح الصين على فنلندا وزيارات زعماء غربيين آخرين في وقت يزداد فيه حذر الدول الأوروبية من السياسات الاقتصادية المتقلبة للولايات المتحدة.
تعزيز الشراكات في الاقتصاد الأخضر
يمكن قراءة التحركات الصينية بوصفها محاولة لتعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي كموازن تجاري واستثماري، خصوصاً بعد التوترات التي رافقت الحرب التجارية مع واشنطن. ورحبت الصين خلال اللقاء الأخير بانخراط الشركات الفنلندية في السوق الصينية، مشجعة على تعزيز التعاون في مجالات تشمل التحول الطاقي والزراعة والغابات.
ورغم الطابع الاقتصادي للتقارب، لا تغيب التحديات الجيوسياسية عن المشهد. إذ تشعر فنلندا وبعض شركائها الغربيين بالقلق من موقف الصين المحايد من الحرب الروسية في أوكرانيا، وسط اتهامات بأنها تموّل بشكل غير مباشر المجهود الحربي الروسي.
ويخلق هذا التوتر حالة من الازدواجية الاقتصادية؛ فمن جهة ترغب الدول الغربية في الانفتاح على السوق الصينية العملاقة، ومن جهة أخرى تُقيدها الحسابات الأمنية والتحالفات الاستراتيجية مثل حلف "الناتو".
استراتيجية متعددة الأبعاد
التحول في موقف الصين واضح، فمن الاعتماد الكامل على "مبادرة الحزام والطريق" التقليدية إلى توسيع نطاق الحضور الاقتصادي من خلال أدوات جديدة مثل "طريق الحرير القطبي". وتعكس تصريحات شي الأخيرة نموذجاً لهذا التحول، حيث يتم دمج التنمية الاقتصادية والتوازن الجيوسياسي والانفتاح التجاري ضمن استراتيجية موحدة.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بإعادة تعريف النظام العالمي وفق تصوراتها، تسعى الصين إلى ترسيخ دورها كركيزة للنظام الدولي القائم على المؤسسات متعددة الأطراف. ومع انفتاح أبواب القطب الشمالي، يبدو أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مشهد أكثر تعددية تلعب فيه بكين دور المهندس الاقتصادي الحذر.







