سجل التبادل التجاري بين تركيا ودول الخليج العربي قفزة لافتة خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ نحو 45 مليار دولار، وهو ما يعكس التحول الذي طرأ على مسار العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. وأكد رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية بتركيا نائل أولباك أن هذا النمو يتزامن مع مرحلة من الانفراج السياسي وإعادة بناء الثقة، مما أسهم في تنشيط حركة التجارة والاستثمار وفتح قنوات تعاون أوسع بين أنقرة والعواصم الخليجية.
حقق التبادل التجاري بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي قفزة تقارب 80% مقارنة بمرحلة ما قبل التقارب السياسي. وبعد أن تراوح متوسط التجارة السنوية بين الجانبين بين 12 و15 مليار دولار خلال الفترة السابقة، ارتفع المتوسط إلى ما بين 25 و30 مليار دولار سنوياً في الأعوام المقبلة.
تتصدر الإمارات قائمة الشركاء الخليجيين لتركيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين قرابة 20 مليار دولار. وأكد رئيس غرفة تجارة إسطنبول شكيب أفداجيتش أن السعودية أيضا عادت تجارتها مع تركيا إلى مسار الصعود، ليصل حجم التبادل التجاري إلى نحو 6.8 مليارات دولار.
نمو قياسي
واصلت بقية دول الخليج التجارة مع تركيا في مسار تصاعدي، وإن بوتيرة متفاوتة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا نحو 1.2 مليار دولار، مع تطلع لرفعه إلى 5 مليارات دولار خلال الفترة المقبلة. كما تجاوز حجم التجارة التركية مع كل من الكويت وسلطنة عمان حاجز المليار دولار سنوياً، إذ ارتفع التبادل مع سلطنة عمان إلى نحو 1.3 مليار دولار.
سجلت البحرين نمواً تدريجياً، حيث تجاوز حجم تجارتها مع تركيا 580 مليون دولار، قبل أن تتراجع إلى 363 مليون دولار في العام القادم. رغم هذا النمو، لا تزال تجارة تركيا مع دول الخليج أقل حجماً مقارنة بتعاملاتها مع تكتلات اقتصادية كبرى.
يتجاوز حجم التبادل التجاري بين تركيا والاتحاد الأوروبي 216 مليار دولار سنوياً، فيما تبلغ تجارتها مع الصين نحو 48 مليار دولار، مع ميل واضح لصالح بكين.
تقاطع مصالح
يرى المحلل الاقتصادي عثمان إيبيك أن النمو المتسارع في التجارة بين تركيا ودول الخليج لا يمكن اعتباره طفرة مؤقتة، مرجحاً أنه يعكس مرحلة انتقالية بين علاقات تحكمها الاعتبارات السياسية وتدفقات السيولة قصيرة الأجل. وأوضح أن توسع التعاون الاقتصادي ليشمل اتفاقيات ومجالس أعمال يشير إلى مؤشرات بنيوية قد تدعم استدامة جزء من هذا النمو.
في المقابل، نبه إيبيك إلى أن جزءاً معتبراً من هذا النمو لا يزال رهين عوامل ظرفية، أبرزها الحساسية للتوازنات السياسية الإقليمية. ورغم ذلك، تتزامن الوفرة المالية لدول الخليج مع مرحلة اقتصادية دقيقة تمر بها تركيا، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتراجع قيمة الليرة.
تشير أحدث المعطيات إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت تشكل أكثر من 7% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تركيا، مع رصيد استثماري بلغ نحو 15.8 مليار دولار حتى الآن. وتتوقع التقديرات ارتفاع هذا الرصيد إلى قرابة 30 مليار دولار خلال فترة وجيزة.
رافعة اقتصادية
وقعت تركيا ومجلس التعاون الخليجي اتفاقًا يمهد لمفاوضات تهدف إلى إقامة واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، بقيمة اقتصادية تُقدّر بنحو 2.4 تريليون دولار. وتعتبر أنقرة الخليج منفذاً رئيسياً لصادراتها، ضمن استراتيجية تستهدف رفع قيمة الصادرات السنوية إلى 300 مليار دولار.
نجحت تركيا في استعادة الزخم إلى صادراتها نحو الخليج، حيث ارتفعت صادراتها إلى الإمارات بنسبة 63% لتبلغ نحو 8.6 مليارات دولار. في نفس الوقت، قفزت صادراتها إلى السعودية بنحو 150% لتصل إلى حوالي 2.6 مليار دولار.
في السياق ذاته، بلغت صادرات تركيا إلى قطر قرابة 800 مليون دولار، وإلى سلطنة عمان نحو 431.7 مليون دولار، بينما سجلت صادراتها إلى الكويت حوالي 583.1 مليون دولار، وإلى البحرين نحو 160.7 مليون دولار.
فرصة بنيوية
يرى المحلل الاقتصادي إبراهيم أكان أن تركيا تمتلك القدرة على تحويل التقارب الاقتصادي مع دول الخليج من تدفقات قصيرة الأجل إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأمد، لكن هذا التحول مشروط بتوافر بيئة اقتصادية وتنظيمية مستقرة. وأشار أكان إلى أن فرص التحول قائمة بفعل تكامل المصالح، حيث تبحث دول الخليج عن تنويع اقتصادي وعوائد مستقرة.
بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية وخبرات تشغيلية قادرة على استيعاب استثمارات في مجالات الصناعة والطاقة واللوجستيات. ومع ذلك، حذر من أن تقلبات الاقتصاد الكلي ومخاطر التضخم وسعر الصرف، قد تعرقل هذا التحول.







