تبرز الاسواق الناشئة اليوم بوصفها اهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الاسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية. بل تحولت الى محرك اساسي لنمو الناتج المحلي الاجمالي العالمي.
مع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة "الدول النامية" لتصبح "القطب الجديد" الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.
ما وراء التحول الهيكلي
تُعرّف الاسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة. تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الاقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت الى بناء قواعد صناعية وتقنية اكثر تطوراً. مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف الى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.
تعد هذه الاسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الاسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.
تشكل الاسواق الناشئة اكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل.
لماذا تسمى ناشئة
يعود المصطلح الى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي انطوان فان اغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة "ناشئة" ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي اسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع. وتتطور انظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الاموال الباحثة عن عوائد اعلى مقارنة بالاسواق المشبعة.
تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة "ستاندرد آند بورز"، الى ان الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الاجمالي بمعيار "تعادل القوة الشرائية" (PPP)، يتضح ان اجمالي حجم اقتصادات الاسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم Economies الدول المتقدمة.
ثقل ديمغرافي وجغرافي
يعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو. وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة. بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.
رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة "بريكس" في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ"النمور الآسيوية الجديدة". هذه الدول لا تكتفي بتطوير اسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.
لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت الى "اهم سوق ناشئة" في المنطقة. ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.
قاطرة النمو العالمي
تتصدر وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة. وتشير الى انه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.
تعد السوق المالية السعودية "تداول" الركيزة الاولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية الى واحدة من اهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية.
تمنح الاسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول الى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي.
فرص ومخاطر
ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الاسواق محكوماً بـ"معادلة مخاطر" تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن اهم التحديات. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية، إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.







