أشار تطور الاستثمارات السعودية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد إلى تحول نوعي من مقاربة سياسية–دبلوماسية إلى انخراط اقتصادي مباشر يستهدف قطاعات البنية التحتية والخدمات السيادية.
ومع بداية العام، انتقلت هذه الاستثمارات من مستوى مذكرات التفاهم العامة إلى مشاريع تشغيلية جاهزة للتنفيذ، تتصدرها الطيران، والمطارات، والاتصالات، والمياه، في إطار حزمة استثمارية بمليارات الدولارات.
الطيران والمطارات.. بوابة الاستثمار
أحدث حلقات الانخراط السعودي تمثّلت في قطاع الطيران المدني، الذي تستخدمه الرياض كرافعة لإعادة ربط سوريا إقليميا. إذ أعلن وزير الاستثمار السعودي عن تأسيس شركة طيران اقتصادية جديدة مقرها في حلب تحت اسم "ناس سوريا"، وذلك ضمن حزمة اتفاقيات استثمارية وُقّعت بين الجانبين السوري والسعودي.
ويعكس هذا الإعلان انتقال الاستثمار السعودي من مستوى الترتيبات التنظيمية إلى التشغيل الفعلي المباشر. ورغم عدم الكشف عن رأس المال المخصص للشركة، فإن إدراج المشروع ضمن حزمة وُصفت رسميًا بأنها "استثمارات بمليارات الدولارات" يضعه في نطاق استثماري متوسط إلى كبير.
وبالتوازي، برز مشروع تطوير مطارين في مدينة حلب كأكبر رقم مالي معلن حديثًا، إذ تحدثت التصريحات الرسمية عن استثمار نحو 7.5 مليارات ريال سعودي على مراحل متعددة تشمل التوسعة والتحديث والبنية التشغيلية. ويضع هذا الاستثمار قطاع النقل الجوي في صدارة الأولويات السعودية.
الاتصالات والربط الرقمي
الركيزة الثانية للاستثمار السعودي تمثلت في الاتصالات وتقنية المعلومات، باعتبارها قطاعا منخفض المخاطر السياسية ومرتفع العائد طويل الأجل. وفي هذا السياق، جاء مشروع "سيلك لينك" للربط الرقمي كأحد أبرز المشاريع الإستراتيجية.
ويستهدف هذا المشروع تحويل سوريا إلى ممر إقليمي لعبور البيانات بين آسيا وأوروبا. كما يعد هذا المشروع امتدادًا مباشرًا لحزمة الاتفاقيات التي وُقّعت في منتدى الاستثمار السوري السعودي، والتي خصصت 4 مليارات ريال سعودي لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات.
ويعكس هذا المسار رهانا سعوديا على دور سوريا المستقبلي في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، لا سيما مع إعادة تأهيل شبكاتها العابرة للحدود.
البنية التحتية والمياه
القاعدة الأوسع للاستثمارات السعودية بقيت البنية التحتية التقليدية، والتي استحوذت على النصيب الأكبر من الالتزامات المالية. ففي منتدى الاستثمار، أُعلن عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تقارب 24 مليار ريال.
وداخل هذه الحزمة، خُصص أكثر من 11 مليار ريال للبنية التحتية الثقيلة، وشملت إنشاء ثلاثة مصانع جديدة للإسمنت، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بمواد البناء.
كما تضمنت الحزمة اتفاقيات في قطاع المياه، برعاية شركات سعودية كبرى تستهدف تحلية المياه ونقلها. ورغم عدم الإعلان عن قيمة مالية محددة لهذه المشاريع، فإن إدراجها ضمن محفظة البنية التحتية يضعها في إطار استثمارات رأسمالية طويلة الأجل.
بين الأرقام والقطاعات
يمكن القول إن الاستثمارات السعودية في سوريا بعد سقوط الأسد انتقلت من مرحلة الالتزام السياسي إلى مرحلة توظيف رأس المال في قطاعات ذات أولوية سيادية.
ووفق ما تُظهره الأرقام المنشورة، فإن الالتزامات السعودية المعلنة تجاه سوريا تتجاوز نحو 6 مليارات دولار حتى الآن، مع مسار تصاعدي يركز على الطيران، والمطارات، والاتصالات، والبنية التحتية.







