أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية. وأوضح أن هذا النموذج يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وأضاف أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه "التكامل المجزأ". وفي حديثه إلى "الشرق الأوسط"، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من "التكامل المجزأ" الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.
يُعتبر البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي "روبرت برينكتون" للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه حول "سلاسل القيمة العالمية" وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي "الصناديق الجاهزة".
بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: "من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات". وأوضح أن مصطلح "الأسواق الناشئة" يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية.
التكامل المجزأ: رؤية جديدة للعولمة
وأشار أنتراس إلى أن هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه تمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها. وأوضح أن هذه الاقتصادات هي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقها. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية.
ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة، حيث قال: "بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها".
وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط "الإغراق" والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: "أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية". وأشار إلى أن النمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم.
استراتيجية التحول وضرورة التدخل الحكومي
عند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف أنتراس: "نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية". وأكد أن الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي وأن هناك طرقاً أفضل لحماية الناس من الحمائية.
وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: "أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر، تحد دون شك من الاستثمارات". وأوضح أنه إذا تحققت إمكانات النمو الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، فإن الإنتاجية ستتحسن بشكل كبير.
أعرب أنتراس عن قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث اعتبر أن التحدي المقبل مزدوج وخطير. ورأى أن هذا المشهد يتطلب استراتيجيةً استباقيةً من الحكومات، موضحاً أن النجاح يكمن في إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل.







