في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة ليؤكد النقلة النوعية التي تشهدها هذه الاقتصادات في الساحة العالمية. ومع انتهاء فعاليات هذا المؤتمر المتميز، بات واضحاً أن الاقتصادات الناشئة لم تعد تسعى فقط للحاق بركب الاقتصادات المتقدمة، بل أصبحت تضع معاييرها الخاصة وتبتكر في مجالات تنافسية متعددة.
وأضافت الجلسات النقاشية كيف أن هذه الاقتصادات اكتسبت ثقة متزايدة وقوة دفع جديدة، لتتخلى عن دورها التقليدي وتصبح لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي. وكان لافتاً دعوة القطاع الخاص ليكون شريكاً في عملية النمو بل أصبح محركاً لها.
ومن هنا، أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، ضرورة المبادرة في اتخاذ القرارات الإصلاحية مهما كانت صعوبتها. موضحاً أنه لا يوجد ما يُسمّى الوقت المثالي لبدء مسارات التغيير، موجهاً الدعوة إلى الأسواق الناشئة من أجل الاعتماد على نفسها في تشخيص مشكلاتها.
دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية
في الحوار الختامي لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، أرسى الجدعان قاعدة اقتصادية حازمة بقوله: "لا يوجد وقت مثالي لفعل الشيء الصحيح، لذا عليك القيام به الآن. التأجيل لن يساعد". وأوضح أن نجاح أي تحول هيكلي مرتبط بالقدرة على اتخاذ الخطوات الجريئة.
كما أشار الوزير الجدعان إلى أن الشفافية هي أساس خطة التحول في "رؤية 2030"، قائلاً: "سيكون عليك إيصال ذلك بوضوح شديد لشعبك ولبيئة الأعمال وللمجتمع الدولي". وأضاف أنه من الضروري الثبات على المسار لبناء الثقة.
وكشف الجدعان عن دقة التنفيذ في "رؤية 2030" مع اكتمال أكثر من 87 في المائة من المبادرات. وضرب مثالاً بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أنه كان يتطلب تغيير الخطط لضمان اقتناص جزء من تلك القيمة.
الابتكار كوسيلة للتقدم
ودعا الجدعان الأسواق الناشئة إلى الاعتماد على الذات في تشخيص مشكلاتها، موضحاً أنه يجب التعامل مع قضاياها بنفسها بدلاً من الاعتماد على الدول الكبرى. وفي الحوار الختامي، شددت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، على ضرورة تحول الحكومات من "مشغّل" للاقتصاد إلى "مُمكن" له.
وأوضحت غورغييفا أن الحكومات ليست هنا لإدارة الاقتصاد بشكل مباشر، بل لتوفير الإطار الذي يزيل العقبات أمام الاستثمار. مؤكدة أن الابتكار، وخاصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بات المفتاح الحقيقي للتقدم في المشهد العالمي.
كما رسمت خريطة للتحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة، مشيرة إلى أن العالم يمر بتغيرات عميقة مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية. وأكدت أن التعاون الدولي أصبح ضرورة حتمية لمواجهة هذه التحديات.
التعاون الدولي لتعزيز الاستقرار الاقتصادي
وفي سياق دور المؤسسات المالية الدولية، ذكرت كريستالينا غورغييفا أن صندوق النقد والبنك الدولي يضطلعان بمسؤولية حيوية كمنصتين لنقل أفضل التجارب العالمية. واختتمت غورغييفا حديثها برسالة رمزية: "يد واحدة لا تُصفّق"، مشددة على أهمية الشراكات القوية بين الدول.
وانطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، الذي تحتضنه محافظة العلا. ويأتي إطلاق المؤتمر في ظل مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية.
وتمثل هذه الفعالية منصة لتعزيز الحوار الدولي وتنسيق السياسات الاقتصادية، مما يعزز مرونة اقتصادات الأسواق الناشئة ويساهم في الاستقرار الاقتصادي العالمي.







