أظهر الخلاف الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحلفائه الأوروبيين حول جزيرة غرينلاند، حيث هدد بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية كبيرة مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا لمعارضتها سياسته تجاه الجزيرة. وأكدت هذه التصرفات قوة تأثير البورصة الأمريكية على القرارات الصادرة عن البيت الأبيض.
وتراجع ترمب عن تهديده بفرض الرسوم الجمركية بعد أن انخفضت مؤشرات بورصة وول ستريت في نيويورك، حيث فقدت الأسهم الأمريكية نحو تريليون دولار من قيمتها في يوم واحد، وفق ما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز. وتصاعدت الدعوات لبيع السندات الأمريكية في أوروبا.
وكان صندوق معاشات التقاعد في الدنمارك قد باع 100 مليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، وهي خطوة صغيرة نسبيا بالنظر لحجم سوق السندات الأمريكية، لكنها لفتت الأنظار إلى أداة يمكن أن يستخدمها الأوروبيون إذا تصاعدت خلافاتهم مع واشنطن.
تراجع تهديدات ترمب وأثرها على السوق
وسارع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى التقليل من شأن هذه الخطوة، حيث قال إن "استثمارات الدنمارك في سندات الخزانة، مثل الدنمارك نفسها، غير هامة". وأكد في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لديها "استثمارات قياسية في سندات الخزانة".
ولم يتأخر ترمب في تحذير حلفائه الأوروبيين من بيع سندات الخزانة الأمريكية، حيث قال في مقابلة مع شبكة "فوكس بيزنس" إنه سيكون هناك "انتقام قوي من جانبنا"، مضيفا "أننا نمتلك كل الأوراق"، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ.
ويمكن فهم حساسية إدارة ترمب لبيع السندات الأمريكية بالنظر إلى الحجم الكبير للديون الأمريكية التي تبلغ نحو 38.5 تريليون دولار، وفقا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية، مما يعني أن ارتفاع سعر الفائدة على السندات التي تستخدمها الحكومة لتمويل هذه الديون سيزيد الضغوط على الموازنة الأمريكية.
الأثر الأوروبي على سوق السندات الأمريكية
ولا يقتصر الاهتمام الكبير بسوق السندات الأمريكية على إدارة ترمب، بل يمتد أيضا إلى أوروبا التي تمتلك نحو 3.6 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، الأمر الذي يجعلها أكبر مالك لهذه السندات خارج الولايات المتحدة. تليها اليابان التي تمتلك ما قيمته 1.2 تريليون من هذه السندات، ثم الصين بقيمة 682 مليار دولار، وفق وزارة الخزانة الأمريكية.
تمتلك أوروبا إجمالا، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وسويسرا والنرويج، نحو 12.6 تريليون من الأصول الأمريكية، تشمل السندات والأسهم والعقارات وغيرها من الاستثمارات، مما يجعلها تتحرك بحذر شديد في إدارتها لاستثماراتها في الولايات المتحدة.
أوضح زياد الهاشمي، خبير الاقتصاد الدولي المقيم في لندن، أن مخاطر الحجم الهائل للدين الأمريكي لا تقتصر على الولايات المتحدة بل تمتد لدول كثيرة حول العالم، ومنها الدول الأوروبية التي ترتبط بشكل مباشر بالاقتصاد الأمريكي، حيث استثمرت بشكل كثيف في سندات الخزانة الأمريكية.
تداعيات تحويل الاستثمارات الأوروبية
وأضاف الهاشمي أن أي تسييل سريع لسندات الخزانة الأمريكية سيؤدي إلى انخفاض قيمة هذه السندات، وتكبد المؤسسات الأوروبية المالكة لها خسائر فادحة، موضحا أن "هذا الوضع يؤثر على صناع القرار الأوروبيين ولا يترك أمامهم مجالا واسعا للمناورة".
ولا تمتلك الحكومات الأوروبية الجزء الأكبر من السندات الأمريكية في أوروبا، بل تحتفظ بها في صناديق التقاعد والبنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار الأوروبية، وفق صحيفة "ذا كونفرسيشن"، وهي مؤسسات مالية مستقلة تدير مدخرات واستثمارات ملايين الأوروبيين، ولا تستطيع الحكومات أن تجبرها على بيع السندات الأمريكية إذا كان هذا سيلحق الضرر بأعمالها.
إذا قررت المؤسسات الأوروبية تحويل جميع استثماراتها من الدولار إلى اليورو، فستكون تداعيات هذه الخطوة على السوق المالية هائلة، إذ من المرجح أن يؤدي ارتفاع الطلب على اليورو إلى زيادة حادة في سعر صرفه، مما يجعل الصادرات الأوروبية أكثر تكلفة، وبالتالي قد يتراجع الطلب عليها، وفق المتحدث ذاته.
النفوذ الأوروبي والسندات الأمريكية
أوضح اثنان من أساتذة الاقتصاد الأوروبيين، هما الفرنسية بولا سوباتشي والهولندي بول فوان دين نورد، في مقال بصحيفة فايننشال تايمز، أن النفوذ الحقيقي لأوروبا فيما يتعلق بالسندات الأمريكية "لا يكمن في بيع ما تملكه أوروبا بالفعل، وهو أمر مكلف وقد يهز الاستقرار ويؤذي أوروبا نفسها، بل في وقف تراكم الديون الأمريكية".
وأضاف الكاتبان أن "أوروبا لا تستطيع التخلص من سندات الخزانة صباح الغد"، وفق وصفهما، لكن تبقى هذه السندات بالغة الأهمية لأن "الولايات المتحدة لا تزال تعتمد على استمرار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل ديونها عبر هذه السندات"، وهو ما يمنح حائزيها "أهمية استراتيجية" حسب ما قاله الكاتبان.
أوضح أستاذا الاقتصاد الأوروبيان أن الطلب الخارجي على سندات الخزانة الأمريكية يعتمد على ثلاثة عوامل: الأمان الذي توفره لمن يمتلكها، العائد المضمون الذي تحققه، وإمكانية تداولها في أي وقت، وكل هذه العوامل "تضعف" بمرور الوقت، وفق رؤيتهما.
سياسة الصين تجاه السندات الأمريكية
وفي هذا السياق، أدركت الصين منذ فترة طويلة خطورة الاعتماد بشكل كبير على سندات الخزانة الأمريكية، وفق ما ذكره الكاتبان في مقالهما، فقامت بكين بشكل تدريجي بخفض قيمة ما تملكه من هذه السندات، لتصبح قيمتها في الوقت الحالي بحدود 700 مليار دولار، بعد أن كانت قيمتها 1.2 تريليون دولار في 2015، وفق فايننشال تايمز.
الملاحظ أن الصين لم تستخدم السندات الأمريكية كسلاح للضغط على الولايات المتحدة، حتى أثناء خلافها مع ترمب حول الرسوم الجمركية التي فرضها على الصادرات الصينية، والسبب هو أنها أدركت تأثير مثل هذه الخطوة على الأسواق، إذ قد تتحول إلى أزمة مالية عالمية تشمل الدول التي لديها استثمارات ضخمة في هذه السندات.
يشير الهاشمي إلى أن الصين "تحاول الخروج من ملكية السندات الأمريكية بشكل بطيء وتدريجي لكي لا تتأثر اقتصاديا، كما أنها تحافظ على نفوذها بامتلاك هذه السندات".
مخاطر عجز الموازنة الأمريكية
يرتبط سوق السندات الأمريكية بشكل مباشر بالعجز الكبير في الموازنة الأمريكية، حيث تلجأ الحكومة الأمريكية في كل عام، مع استمرار هذا العجز وزيادته، إلى تمويله بإصدار سندات الخزانة لآجال مختلفة.
وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال، فقد أنهت الحكومة الفدرالية السنة المالية بعجز قدره 1.775 تريليون دولار، بانخفاض 41 مليار دولار أو بنسبة 2% عن العام السابق، ويعود هذا الانخفاض جزئيا إلى الإيرادات القياسية للرسوم الجمركية خاصة تلك التي فرضتها إدارة ترمب.
تراكمت ديون الحكومة الأمريكية مع استمرار عجز الموازنة، كما بلغ إجمالي الفوائد المدفوعة على سندات الخزانة الأمريكية مستوى قياسيا عند 1.22 تريليون دولار خلال السنة المالية، مقابل 1.13 تريليون دولار في العام السابق، حسب ما ذكرته وول ستريت جورنال.
في هذا السياق، أوضح الهاشمي أن بيع السندات الأمريكية بشكل سريع سيؤدي إلى انخفاض أسعارها على نطاق واسع وارتفاع نسبة الفائدة عليها، وهذا سينعكس على كافة جوانب الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك ارتفاع تكلفة القروض العقارية والقروض اللازمة لتمويل الشركات.
وأضاف أن زيادة تكلفة خدمة الدين العام الأمريكي، مع ارتفاع الفائدة عليه، تعني أن نسبة متزايدة من الإنفاق العام ستوجه لخدمة الديون الحكومية، مما يقلل من الإنفاق على الخدمات المختلفة، كما سيزيد من الصراعات السياسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ويتسبب في إغلاق الحكومة الأمريكية بسبب عدم الموافقة على سقف جديد للديون الحكومية.
إجمالا، تقبل الحكومات والشركات والمستثمرون حول العالم على شراء سندات الأمريكية على أساس الثقة بقدرة حكومة ترمب على إدارة النظام المالي العالمي، لكن إذا اهتزت هذه الثقة فسيؤدي ذلك إلى حدوث آثار واسعة النطاق على الاقتصاد الأمريكي وعلى الدول والمؤسسات التي استثمرت في هذه السندات لسنوات طويلة.







