في خطوة تعكس فقدان الراحة والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن. وتأتي هذه العملية التي وُصفت بـالهروب الهادئ، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.
تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة
كشفت مصادر مطلعة أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. وأشارت التعليمات إلى حث البنوك ذات التعرض العالي على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من مخاطر التركز والتقلبات الحادة.
ورغم أن القرار استثنى الاحتياطيات السيادية الرسمية، إلا أن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.
لغة الأرقام
تظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها. حيث كانت تمتلك 767 مليار دولار، ثم رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بعد أن باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار.
تشير بيانات إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي. ولم تكن الصين وحدها؛ فقد قلصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.
توقيت الاتصال الساخن وظلال ترمب
ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟
وفي هذا الإطار، قال مصرف يو بي إس إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.
بين سلاح الديون واستراتيجية التحوط
بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت هش للدولار. الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة عقاب سياسي فحسب، بل بدأوا استراتيجية التحوط الكبرى.
فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار أو تذبذب حاد في الفائدة.







