لم تكتف إدارة الرئيس الأمريكي ترمب بهز أسس النظام التجاري العالمي القائم. بل دفعت أيضًا إلى تسريع تفككه عبر سنوات من الحروب الجمركية والتهديدات الحمائية وإعادة تعريف التحالفات الاقتصادية. غير أن الصورة، وفق تحليل لوكالة بلومبيرغ، تبدو أقل وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالمرحلة التالية: من سيقود إعادة البناء؟ وبأي قواعد؟.
بينما تنشغل واشنطن بإدارة تداعيات سياساتها السابقة، تتحرك قوى اقتصادية أخرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، لملء الفراغ عبر اتفاقات أوسع وأكثر إلزامًا. وتكشف مقارنة الاتفاقات المبرمة حديثًا أن أمريكا باتت أبطأ في تحويل النفوذ السياسي إلى ترتيبات تجارية صلبة، في لحظة يعاد فيها توزيع مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي.
تقود سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ أكثر من عقد مسارًا صداميًا مع النظام التجاري العالمي، عبر حروب رسوم جمركية وتهديدات متكررة وإعادة تعريف للعلاقات الاقتصادية. وتعتبر بلومبيرغ أن حصيلة إعادة البناء لا تزال محدودة، إذ لم تُبرم أمريكا سوى خمس اتفاقيات تجارية مكتملة، بينما بقيت نحو اثنتي عشرة أخرى في إطار "اتفاقات إطار" غير ملزمة.
تفكيك سريع وإعادة بناء متعثرة
لفتت الوكالة إلى أن الاتحاد الأوروبي سبق أمريكا بخطوات ملموسة، بعدما وقّع اتفاقًا مع تكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية. كما أعلن استكمال مفاوضات اتفاق واسع مع الهند، وصفته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنه "أمّ كل الصفقات". وترد أمريكا، وفق بلومبيرغ، باتفاقات أقل عمقًا.
الإعلان المشترك بين واشنطن ونيودلهي لا يتجاوز كونه إطارًا عامًا، إذ تشير ويندي كاتلر، المفاوضة التجارية الأميركية السابقة، إلى أن معظم الالتزامات "صيغت بزمن المستقبل، من نوع ‘سيجري النقاش’ و‘يعتزم الطرفان’". ما يعني أن الوثيقة "تضع معالم تفاوض مقبل أكثر مما تفرض التزامات ملزمة".
أما الاتفاق الأميركي مع الأرجنتين، فرغم تضمّنه جدول رسوم من 492 صفحة، فإنه يبقى أضيق نطاقًا من اتفاق الاتحاد الأوروبي مع ميركوسور، ولا يشمل دولًا محورية مثل البرازيل. وفي ملف الصين، تعترف بلومبيرغ بأن إدارة ترمب لعبت دورًا في دفع سياسة "تقليل المخاطر"، خاصة في سلاسل توريد المعادن النادرة.
اتفاقات بإطار عام لا التزامات صلبة
تقوم هذه السياسة عبر دعوة عشرات الوزراء إلى واشنطن وإطلاق مسارات تفاوضية مع الاتحاد الأوروبي واليابان. لكن الوكالة تلاحظ أن قادة آخرين سبقوا واشنطن بخطوات عملية، إذ زار الصين مؤخرًا كل من رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، ورئيس وزراء كندا مارك كارني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إطار تعزيز علاقاتهم الاقتصادية مع بكين.
تشير بلومبيرغ إلى أن اليابان باتت لاعبًا مؤثرًا في صياغة الخطاب الدولي تجاه الصين، خصوصًا بعد فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي بأغلبية مريحة. وتخلص بلومبيرغ إلى أن العالم، مع مطلع 2026، يبدو كأنه يتحرّك إلى الأمام، بينما تظل أمريكا منشغلة بإدارة تداعيات التفكيك أكثر من قيادتها عملية البناء.
النظام التجاري الذي قادته واشنطن لعقود قد يتفكك، لكن المؤشرات الحالية لا توحي بأن إدارة ترمب ستكون بالضرورة من يتصدر هندسة النظام الذي سيليه، في مشهد مفتوح على مزيد من إعادة التموضع العالمي دون مركز قيادة واضح.







