تتصاعد تحذيرات في الأوساط المالية الأوروبية من هيمنة شبه كاملة لشركتي فيزا وماستركارد الأمريكيتين على سوق المدفوعات في القارة. في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، يخشى مسؤولون أوروبيون من أن يتحول هذا النفوذ المالي إلى أداة ضغط قد تستخدم في لحظة ما لتعطيل أنظمة الدفع، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي للاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، أشار تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية إلى أن التفرد الأمريكي في البنية التحتية للمدفوعات الرقمية لم يعد مجرد مسألة سوقية، بل بات مصدر قلق مؤسسي متزايد. إذ ترى عواصم أوروبية أن هذا الاعتماد المفرط يمثل عبئا ماليا خطِرا يمس سيادة القارة.
تعزز بيانات البنك المركزي الأوروبي هذه المخاوف، إذ تستحوذ فيزا وماستركارد على نحو ثلثي معاملات البطاقات في منطقة اليورو. في حين لا تمتلك 13 دولة أوروبية أي بديل وطني مؤثر. وحتى في الدول التي طورت أنظمة محلية، فإن استخدامها يتراجع تدريجيا مع توسع المدفوعات الرقمية والتطبيقات، مما يعمق فجوة الاعتماد.
حجم النفوذ
وإذا كانت المخاوف سياسية الطابع، فإن الأرقام تكشف عمق النفوذ على الأرض. فبحسب بيانات ستاتيستا وذا نيلسون ريبورت، بلغ عدد عمليات الشراء عبر بطاقات الدفع عالميا نحو 293.5 مليار عملية، في مؤشر على الاتساع غير المسبوق لسوق المدفوعات الرقمية.
تصدرت ماستركارد القائمة بـ191.5 مليار عملية، تلتها أمريكان إكسبرس بـ13.2 مليار عملية. في حين بلغ إجمالي عمليات الشراء بمختلف بطاقات الدفع قرابة 1.1 تريليون عملية. أما من حيث القيمة، فقد وصل إجمالي المدفوعات المنفذة عبر البطاقات إلى نحو 45.5 تريليون دولار، وفق بيانات داتوس إنسايتس.
تظهر الإحصاءات أن 40% من العمليات التجارية عالميا تتم عبر شبكة فيزا، في حين تستحوذ فيزا وماستركارد مجتمعتيْن على نحو 65% من المعاملات التجارية في أوروبا، مما يوضح مدى تغلغل الشركتين في صميم النشاط الاقتصادي الأوروبي.
بدائل أوروبية
أمام هذا الواقع، بدأت أوروبا البحث عن مسارات بديلة، وإن بخطوات حذرة. ففي عام 2024 أطلق تطبيق ويرو (Wero) كمحفظة رقمية أوروبية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا، في محاولة لبناء شبكة دفع إلكتروني محلية تخدم نحو 48 مليون شخص. مع خطة للتوسع الكامل بحلول 2027.
رغم رمزية هذا المشروع، فإنه لا يزال في طور البناء، ما يعني استمرار الاعتماد على شبكتي فيزا وماستركارد في أنظمة الدفع بالبطاقات في المدى القريب.
اليورو الرقمي
ومن هنا، يبرز الخيار الأكثر طموحا مشروع اليورو الرقمي الذي يروج له البنك المركزي الأوروبي بوصفه خطوة إستراتيجية لتعزيز السيادة النقدية وتقليل الاعتماد على البنى التحتية الأجنبية. ويتوقع طرحه خلال عامين، غير أن المشروع يواجه تحديات تقنية وسياسية، إضافة إلى انقسامات داخلية بشأن تأثيره على المصارف التجارية والخصوصية المالية.
في هذا الإطار، حذرت الرئيسة التنفيذية لمبادرة المدفوعات الأوروبية، مارتينا ويمرت، من الاعتماد الكبير للقارة على أنظمة الدفع التابعة لفيزا وماستركارد. معتبرة أن غياب شبكة أوروبية عابرة للحدود يمثل ثغرة سيادية واضحة. ودعت إلى تحرك عاجل لتعزيز الاستقلال المالي.
وإلى حين اكتمال البدائل الأوروبية، ستظل فيزا وماستركارد تمسكان بمفاصل نظام المدفوعات الأوروبي. لكن المسألة، وفق مراقبين، لم تعد مجرد منافسة تجارية بل تحولت إلى معركة سيادة في عصر تتحول فيه شبكات الدفع إلى أدوات نفوذ جيوسياسي.







