تتجه حصة أكبر من ثمار الاقتصاد الأمريكي اليوم إلى رأس المال بدلاً من العمل. وفي تحول بنيوي تعمق خلال العقود الماضية، تسارع هذا التحول بعد الجائحة، حيث صعدت أرباح الشركات وتقييمات الأسهم إلى مستويات قياسية.
أضافت صحيفة وول ستريت جورنال أن هذا المسار يعكس إعادة توزيع واضحة للدخل داخل الاقتصاد. حيث تتدفق نسبة متزايدة من الناتج إلى الشركات والمساهمين وكبار الموظفين بدلاً من العمال. ويُرجح أن يتسارع هذا الاتجاه مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
أرباح تصعد وحصة العمل تتراجع.
أوضحت وول ستريت جورنال أن العمال حصلوا عام 1980 على 58% من إجمالي الدخل الاقتصادي، وفق مقياس الدخل المحلي الإجمالي. لكن حصتهم تراجعت إلى 51.4% في الربع الثالث من العام الماضي. في المقابل، ارتفعت حصة الأرباح من 7% إلى 11.7%.
تشير الصحيفة إلى أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ منذ أكثر من أربعة عقود. حيث تراجع نفوذ النقابات وانتشر التعهيد الخارجي. ثم تحول هيكل الاستثمار من الأصول الثقيلة مثل المصانع والمباني إلى البرمجيات والمعدات الرقمية والملكية الفكرية. وهي أنشطة أقل اعتمادًا على العمالة وأكثر قابلية لتحقيق هوامش ربح مرتفعة.
مقارنة تكشف الفجوة.
استعادت الصحيفة مقارنة رمزية بين شركتين تمثلان اقتصادين مختلفين. ففي عام 1985، كانت "آي بي إم" الشركة الأعلى قيمة في أمريكا، وتوظف نحو 400 ألف عامل. أما اليوم، فتبلغ قيمة إنفيديا نحو 20 ضعف قيمة "آي بي إم" آنذاك، وتحقق أرباحا تفوقها بخمسة أضعاف بعد احتساب التضخم، لكنها توظف عُشر العدد تقريبًا.
خلصت الصحيفة إلى أن "مكافآت الاقتصاد تتجه بشكل غير متناسب نحو رأس المال بدلاً من العمل"، في ظل ارتفاع الأرباح بوتيرة أسرع من الأجور، وارتفاع التقييمات السوقية بوتيرة أسرع من الأرباح نفسها.
ما بعد الجائحة.
رغم أن جائحة كوفيد-19 منحت العمال دفعة مؤقتة بفعل نقص العمالة وارتفاع الأجور، فإن الأسعار ارتفعت أيضًا، ما حدّ من المكاسب الحقيقية. وذكرت الصحيفة أن متوسط الأجور الحقيقية بالساعة ارتفع 3% فقط منذ نهاية 2019، بينما ارتفع إجمالي التعويضات 8%. مقابل قفزة في الأرباح بلغت 43%.
كما سجلت هوامش أرباح مؤشر "إس آند بي 500" أعلى مستوياتها منذ 2009. في وقت تجاوز فيه مؤشر داو جونز الصناعي مستوى 50 ألف نقطة للمرة الأولى، رغم تزايد تقارير تسريح العمال في قطاعات مهنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الثروة تحرك الاستهلاك.
توضح وول ستريت جورنال أن دور الأجور كمحرك رئيس للاستهلاك لم يعد منفردًا كما كان سابقًا. حيث ارتفعت ثروة الأسر في الأسهم إلى نحو 300% من دخلها السنوي القابل للإنفاق، مقارنة بـ200% في 2019.
وعند هذه المستويات، تصبح مكاسب الأصول المالية عاملاً مباشراً في قرارات الإنفاق، خصوصًا لدى الأسر ذات الدخل المرتفع التي تمتلك الحصة الأكبر من الأسهم.
قدّر دوغ بيتا من "بي سي إيه ريسيرش" أن عائداً بنسبة 10% على الأسهم -بعد الضرائب- "يعزز القدرة على الإنفاق بقدر ما يفعله ارتفاع بنسبة 18% في الدخل". ما يعني أن تقلبات الأسواق باتت تنعكس بسرعة أكبر على الطلب الاستهلاكي.
الذكاء الاصطناعي يغيّر المعادلة.
ورأت وول ستريت جورنال أن الذكاء الاصطناعي قد يعمق هذا الاتجاه. ونقلت عن الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، قوله إن "الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً لوظائف بشرية محددة، بل بديل عام للعمل البشري". مضيفًا أن ذلك "قد يقود إلى عالم لا تُعطل فيه وظائف بعينها فحسب، بل تُستبدل فيه مؤسسات كاملة بشركات ناشئة أقل اعتمادًا على العمالة".
كما توقعت الصحيفة، نقلاً عن باسكوال ريستريبو من جامعة ييل، أن يؤدي دمج الذكاء الاصطناعي في عمليات الشركات إلى تراجع إضافي في حصة العمل من الإيرادات. على غرار ما حدث في قطاع التصنيع خلال العقود الماضية.
في اقتصاد تتزايد فيه قيمة الخوارزميات والبيانات والشبكات الرقمية، يبدو أن توزيع الثروة يميل أكثر نحو رأس المال. فيما تتحدد قوة الاستهلاك -وربما استقرار النمو- بمدى استمرار هذا التوازن الدقيق بين الأجور والأسواق المالية.







