اجرت الولايات المتحدة وايران جولة محادثات في سلطنة عمان خلال الاسبوع الماضي، سمحت لطهران بتقييم جدية واشنطن واظهرت توافقا كافيا لمواصلة الدبلوماسية، وفق وزارة خارجيتها.
وسط حالة التصعيد والتحشيد العسكري في المنطقة بين الطرفين، يتبادل البلدان التهديدات وإعلان شروط للمفاوضات. ونقل موقع نور نيوز الاخباري الايراني عن علي شمخاني مستشار المرشد الاعلى علي خامنئي قوله ان القدرات الصاروخية لبلاده خط احمر وليست قابلة للتفاوض. في حين قال الرئيس الامريكي دونالد ترمب في مقابلة مع فوكس بيزنس ان ايران "تريد ابرام اتفاق وسيكون من الغباء الا تقدم على هذه الخطوة".
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين امريكيين قولهم ان الولايات المتحدة ناقشت مصادرة ناقلات تحمل نفطا ايرانيا للضغط على طهران، لكنها تخشى من ردود الفعل وتأثر اسواق النفط العالمية.
سيناريوهات التصعيد
تتركز المطالب الامريكية من ايران في التخلي عن تخصيب اليورانيوم، الذي يعد مسارا محتملا لصنع قنابل نووية، فضلا عن وقف تطوير الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة. في حين تنفي طهران منذ فترة طويلة اي نية لتطوير اسلحة نووية.
في المشهد الاوسع اندلعت مواجهات في انحاء ايران بسبب الصعوبات الاقتصادية، وسرعان ما تحولت الى احتجاجات سياسية ما ادى الى صدامات بين المتظاهرين والامن.
في خضم هذه التحولات، تتركز الانظار على تقلبات اسعار النفط، لا سيما ان هذا الصراع المحتمل يتخذ من الخليج العربي مسرحا له، وهي منطقة انتاج نفط رئيسية في العالم.
توقعات اسعار النفط
ارتفعت العقود الاجلة لخام برنت عند تسوية تعاملات امس 0.87% الى 69.40 دولارا للبرميل، في حين ارتفعت العقود الاجلة للخام الامريكي عند التسوية 1.05% الى 64.63 دولارا للبرميل.
تستعرض الجزيرة نت في هذا التقرير السيناريوهات المحتملة للمواجهة بين ايران وامريكا وتأثير ذلك على اسعار النفط.
في سيناريو يشمل هجمات عسكرية مباشرة بين امريكا (وربما اسرائيل) وايران، بما في ذلك ضرب منشآت نفطية، توقع مركز سياسة الطاقة العالمي التابع لجامعة كولومبيا الامريكية ان تتعرض الاسعار لصدمة قوية نتيجة تضرر مصادر الانتاج ومسارات النقل في آن واحد.
ردود فعل الاسواق
غير ان اثر هذه الصدمة وفق المركز قد يكون محدودا نسبيا بفعل وفرة المعروض في السوق ومستويات الاسعار المنخفضة حاليا.
وتوقع بعض محللي البنوك، ومن بينهم "باركليز" ان تقفز اسعار النفط من مستويات قريبة من 65 دولارا للبرميل الى نطاق 80 دولارا للبرميل على المدى القصير، حال استهدفت الضربات الامريكية و/او الاسرائيلية القيادتين العسكرية والحكومية في ايران.
اما اذا جاء الرد الايراني رمزيا، عبر استهداف قواعد امريكية من دون تعطيل انتاج النفط او الغاز او اغلاق مسارات العبور الحيوية، على غرار ما حدث العام الماضي، فمن المرجح ان يقتصر الاثر السعري على زيادة متواضعة وغير مستدامة تتراوح بين 3 و4 دولارات للبرميل.
السيناريو الاكثر ترجيحا
حسب المركز، فإن السيناريو الاكثر ترجيحا هو ان يتجنب ترمب اللجوء الى القوة العسكرية، ويفضل السعي الى "صفقة" جديدة مع ايران بشأن برنامجيها النووي والصاروخي الباليستي، تتضمن عمليات تفتيش امريكية وازالة اليورانيوم المخصب، مقرونة بالمطالبة بتغيير في القيادة الايرانية.
ربما يصل ذلك الى ازاحة المرشد الاعلى علي خامنئي في ترتيب يشبه النهج الامريكي تجاه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ومن دون تطورات بشأن ايران، تتوقع بلومبيرغ نيو انرجي فاينانس ان يتراجع متوسط سعر خام برنت الى 55 دولارا للبرميل في عام 2026.
توقف الصادرات الايرانية
لكن اذا تصاعدت المواجهة وتوقفت صادرات النفط الايراني بالكامل -وهو سيناريو استبعدته الوكالة- قد يرتفع متوسط سعر برنت الى 71 دولارا للبرميل في الربع الثاني من عام 2026.
واذا استمر هذا الاضطراب حتى نهاية عام 2026، فقد يبلغ متوسط السعر 91 دولارا للبرميل في الربع الاخير من عام 2026.
تعد ايران خامس اكبر منتج للنفط الخام ضمن تحالف اوبك بلس، بإنتاج يقارب 3.3 ملايين براميل يوميا، وترى بلومبيرغ نيو انرجي فاينانس ان الاسعار الحالية لا تعكس سوى علاوة حرب محدودة تقدر بنحو 4 دولارات للبرميل.
علاوة مخاطر الحرب
عادة ما يكون للاحداث الصادمة الخارجية تأثير كبير على اسعار النفط على المدى القصير. فخلال الحرب الروسية الاوكرانية، لوحظ ان "علاوة حرب" بدأت بالتسلل الى اسعار النفط منذ عام 2021، عندما شرعت روسيا في حشد قواتها على طول حدودها المشتركة مع اوكرانيا.
تقدر بلومبيرغ نيو انرجي فاينانس ان علاوة الحرب الضمنية في سعر خام برنت بلغت 31 دولارا للبرميل مباشرة بعد هذه الحرب في 24 فبراير، وارتفعت هذه العلاوة الى ذروتها عند 47 دولارا للبرميل في الربع الثاني من عام 2022، عندما فرضت اوروبا سلسلة من العقوبات وحظرا على النفط الروسي.
ومنذ ذلك الحين، تراجعت علاوة حرب مع نجاح النفط الروسي في ايجاد مشترين جدد.
مقارنة بين سوريا وايران
بحلول نهاية عام 2025، لم يعد يُلاحظ سوى قدر ضئيل -ان وُجد- من علاوة الحرب في الاسعار. وفي الوقت الراهن، لا تتضمن اسعار النفط سوى علاوة حرب محدودة.
غير انه اذا تدهورت الاوضاع في ايران وارتفعت مخاطر انقطاع تدفقات النفط، فمن المرجح ان تبدأ هذه العلاوة في الارتفاع.
لكن السياق يبقى عاملا حاسما. فمن جهة، تنتج ايران كميات اقل من النفط مقارنة بروسيا، ما يعني ان تأثيرها المحتمل في تدفقات النفط العالمية سيكون اصغر من التأثير الذي كان يُخشى في الحالة الروسية.
سيناريو اغلاق مضيق هرمز
ومن جهة اخرى، فإن سوق النفط تتمتع حاليا بوفرة في المعروض على المدى القريب، وتتوقع بلومبيرغ نيو انرجي فاينانس ان يتجاوز المعروض الطلب بمتوسط 3.2 ملايين برميل يوميا في عام 2026.
وبناء عليه، قد يكون سوق النفط قادرا على تحمّل انقطاعات في الامدادات الى حد ما، وفق حجم الاضطراب.
اما الحدث الاستثنائي الذي قد يغيّر المشهد جذريا، فيتمثل في اغلاق مضيق هرمز، وفق بلومبيرغ نيو انرجي فاينانس.
ارتفاع اسعار النفط
فقد عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط في عام 2024، اي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية. واذا تعرض هذا الممر الحيوي لأي تعطيل او حصار، فمن المرجح ان تقفز علاوات الحرب في اسعار النفط بشكل حاد.
يقول الخبير في شؤون النفط نبيل المرسومي ان ايران قد تضرب منشآت نفطية في المنطقة، حال اندلاع المواجهة، ما قد يؤدي الى خفض امدادات النفط الى النصف من المنطقة تقريبا، وبالتالي ارتفاع اسعارها فوق 100 دولار حتى من دون الحاجة الى اغلاق مضيق هرمز.
اما اذا اغلقت ايران مضيق هرمز، وفق قول حديث المرسومي، فهذا يعني ان ربع امدادات العالم من النفط وخُمس امدادات العالم من الغاز ستتوقف، وبالتالي قد يحدث هذا هزة في سوق الطاقة العالمي مع توقع صعود برميل النفط الى 130 دولارا.
سيناريو الاتفاق النووي
اما الاحتمال الاقرب الذي يرجحه المرسومي فهو الوصول الى اتفاق نووي من شأنه اضافة نصف مليون الى مليون برميل من صادرات النفط الى مليون ونصف برميل تصدرها ايران الآن.
ويعتقد المتحدث نفسه ان ضخ المزيد من النفط الايراني من شأنه خفض اسعار النفط الى ما دون 60 دولار لبرميل خام برنت ودون 53 دولارا بالنسبة للنفط الامريكي.
كما ان ثمة احتمال اخر وهو ان يبقى الوضع كما هو عليه اذا اقدمت الولايات المتحدة على ضربة خاطفة مثل الهجوم الاخير على ايران، وفي هذه الحالة سيرتفع برميل خام برنت الى 80 دولارا قبل ان يتراجع الى مستوياته الحالية.
بصورة عامة تعتمد التوقعات على عوامل مثل نجاح المفاوضات النووية ومدى تأثير الضربات على مضيق هرمز، وقد تتغير بناء على التطورات الجيوسياسية.







