تبدو موجة إفلاس الشركات في ألمانيا، في ظاهرها، انعكاسا لدورة اقتصادية ضاغطة تمر بها أكبر قوة صناعية في أوروبا. غير أن التمعن في طبيعة القطاعات المتضررة وتزامنها مع تحولات الطاقة والتجارة العالمية يكشف أن المسألة تتجاوز التقلبات الظرفية، لتشكل إعادة اختبار للنموذج الصناعي الألماني ذاته.
وأشارت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني إلى أن حالات إفلاس الشركات ارتفعت بنسبة 15.2% على أساس سنوي في ديسمبر. فيما سجل شهر أكتوبر الماضي 2108 حالات إفلاس بزيادة 4.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وقد تصدرت أنشطة النقل والتخزين والضيافة القطاعات الأكثر تضررا، في دلالة على هشاشة الأنشطة المرتبطة بالطلب المحلي وكثافة التكاليف التشغيلية.
وبلغ إجمالي الديون المرتبطة بملفات الإفلاس في ألمانيا نحو 2.6 مليار يورو إلى نهاية العام الماضي، مقارنة بـ3.8 مليارات يورو في الفترة المماثلة من العام السابق. ما يعكس أن شريحة متزايدة من الشركات المتعثرة تنتمي إلى فئة المؤسسات الصغيرة أو متناهية الصغر.
تأثير الإفلاس على الشركات الصغيرة والمتوسطة
تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن أكثر من 99% من الشركات الألمانية، البالغ عددها نحو ثلاثة ملايين شركة، تندرج ضمن فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة المعروفة بنموذج "ميتسلشتاند" (Mittelstand) العائلي طويل الأمد. وتظهر بيانات صادرة عن مزود الخدمات الرقمية "داتيف" تراجعا في مساهمة هذه الشركات الألمانية في الإيرادات والتوظيف والقيمة المضافة بين عامي 2018 و2023، مع انخفاض حصتها من الإيرادات إلى 26.2% ومن التوظيف إلى 53.3%.
وأكد الخبير في السياسات الاقتصادية إبراهيم محمد أن تراجع دور هذه الشركات ينعكس مباشرة على مرونة الاقتصاد الألماني، نظرا لدورها المحوري في الابتكار والتدريب المهني وسلاسل التوريد. ووضح محمد أن استمرار موجة الإفلاس قد يقود إلى ارتفاع البطالة وتقليص برامج الدعم الاجتماعي وتآكل القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط، فقد قدر معهد الاقتصاد الألماني "آي دبليو" خسائر الاقتصاد الألماني بنحو تريليون يورو خلال ست سنوات نتيجة ثلاث صدمات رئيسية: جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
الانكماش والتحول البنيوي في الاقتصاد الألماني
وتعادل هذه الخسائر نحو 20 ألف يورو للفرد الواحد، وهو مستوى لم يسجل، بحسب تقديرات المعهد، لا خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 ولا خلال فترات الركود في مطلع القرن الحالي. وقد أسهمت هذه الصدمات في دفع الاقتصاد الألماني إلى حالة ركود ممتد مع عامين متتاليين من الانكماش وتوقعات بنمو صفري تقريبا في المستقبل القريب.
وحذر اتحاد الصناعات الألمانية من أن الاقتصاد الألماني يمر بـ "أعمق أزماته" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن الإنتاج الصناعي يتجه لتسجيل عام رابع من الانكماش مع توقع تراجع إضافي بنسبة 2% خلال العام الحالي. ويعزى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري هذا الانكماش الممتد إلى وقف استيراد الغاز الروسي منخفض التكلفة وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المنافسة الصينية.
في المقابل، أظهرت بيانات الربع الأخير من العام الماضي ارتفاعا فصليا للإنتاج الصناعي بنسبة 0.9% مدفوعا بالطلب المحلي على السلع الرأسمالية، ما يشير إلى محاولة تعاف جزئي قائم على إعادة توجيه النمو نحو الداخل الألماني.
تداعيات أزمة الإفلاس على المجتمع
ويمثل التحول في مصادر الطاقة عاملا حاسما في هذه المعادلة. فقبل الحرب في أوكرانيا، كانت الشركات الألمانية تستفيد من إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب بتكلفة منخفضة، غير أن العقوبات الأوروبية على روسيا دفعت برلين إلى التحول نحو الغاز الطبيعي المسال المستورد، ما رفع تكلفة الإنتاج الصناعي بصورة ملموسة. ويشير الساري إلى أن هذه الزيادة في تكاليف الطاقة خلقت بيئة أقل جاذبية للاستثمار الصناعي مقارنة بمنافسين آسيويين مدعومين بسياسات أكثر مرونة.
وفي السياق الاجتماعي، يرى الاقتصادي إبراهيم محمد أن استمرار موجة الإفلاس لا يقتصر أثره على المؤشرات المالية أو معدلات النمو الاقتصادي، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها. ويشير إلى أن معدلات الفقر في ألمانيا ارتفعت خلال الأعوام الماضية لتتجاوز 20% من السكان، مقارنة بأقل من 17% قبل نحو عقد، ما يعكس تآكل القوة الشرائية واتساع فجوة الدخل.
ويربط المتحدث نفسه بين تصاعد الفقر وتراجع جودة بعض الخدمات التعليمية والصحية وزيادة التوترات الاجتماعية، مما يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي تمتعت به ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.







