أكد منتدى الاستراتيجيات الأردني أن إجراء التعديلات على قانون الضمان الاجتماعي بصورة مبكرة وتدرجية وشفافة يقلل كثيرًا من أثرها على المجتمع. مقارنة بالإجراءات المتأخرة والمفاجئة التي تُتخذ تحت ضغط مالي.
وأوضح في تقرير جديد بعنوان "إطار هيكلي لاستدامة الضمان الاجتماعي: تحليل متعدد الأبعاد" أن قضية إصلاح منظومة التقاعد تمس جميع العاملين في الأردن. وكل المتقاعدين مستقبلًا. ما يجعل الشفافية واجبًا لا غنى عنه. مشددًا على أن الحوار العام المستنير بالمعلومات الدقيقة أصبح ضرورة للحفاظ على مصداقية العقد الاجتماعي بين الأجيال وتعزيز الثقة في النظام التقاعدي.
مبينًا أن هذا يبرز أهمية إجراء قراءة متأنية للتعديلات المقترحة وتقديم تبرير علمي لكل منها. بما يسهم في الوصول إلى التوافق المجتمعي الذي يوازن بين حماية حقوق المشتركين واستدامة النظام على المدى الطويل.
إطار هيكلي لاستدامة الضمان الاجتماعي
وأصدر المنتدى تقريره في ضوء موافقة مجلس الوزراء مؤخرًا على مبررات مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي. وما أعقب ذلك من نقاشات واسعة حول عدد من التعديلات المقترحة. ولا سيما الزيادة التدريجية في سن التقاعد المبكر وسن الشيخوخة.
ويهدف التقرير إلى تقديم قراءة شاملة للإطار الهيكلي الذي يحكم استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي. انطلاقًا من أن إصلاحًا بهذا الحجم لا يمكن أن يُختزل في تعديلات فنية أو تشريعية محدودة. بل يتطلب حوارًا وطنيًا مستنيرًا وشفافًا يستند إلى الأدلة والتوقعات وفق الدراسات الاكتوارية والواقع الاقتصادي على المدى الطويل.
وأشار المنتدى في ورقته إلى أن هناك مجموعة من العوامل الهيكلية المترابطة التي تحدد الجدوى المالية لأي نظام ضمان اجتماعي على المدى الطويل. فاستدامة الضمان الاجتماعي لا تتعلق بقرار واحد أو بعدة قرارات منفصلة، بل بكيفية تفاعل الاتجاهات الديموغرافية والأداء الاقتصادي والتصميم المؤسسي.
العوامل المؤثرة في استدامة الضمان الاجتماعي
وفي هذا السياق، طوّر منتدى الاستراتيجيات الأردني إطارًا هيكليًا لاستدامة أنظمة الضمان الاجتماعي يعتمد على عدة محركات مترابطة مع بعضها البعض. وهي العوامل الديموغرافية، الأداء الاقتصادي، هيكلية سوق العمل، تصميم النظام، عوائد الاستثمار، الإدارة الرشيدة والحوكمة، العوامل الاجتماعية والسياسية. حيث تؤثر تلك المحركات بدورها تأثيرًا مباشرًا على ديمومة الأنظمة وكفايتها وعدالتها عبر الأجيال.
وضمن محرك العوامل الديموغرافية، والذي يتضمن التركيبة العمرية للسكان ومعدلات الإنجاب، نوه التقرير إلى أن التركيبة العمرية تُؤثر بشكل مباشر على التوازن بين المساهمين في النظام والمستفيدين منه. فعند ارتفاع نسبة السكان من المسنين، ترتفع نسبة الإعالة، ما يعني أن عددًا أقل من العاملين يمول عددًا أكبر من المتقاعدين.
وأشار التقرير إلى أن التحولات الديموغرافية تحتاج من 20 إلى 30 سنة لإحداث تغييرات هيكلية في التركيبة السكانية. حيث قام منتدى الاستراتيجيات الأردني بإجراء مقارنة للتركيبة السكانية ما بين الأعوام 2024 و2050، وفق تقديرات دائرة الإحصاءات العامة.
التحولات الديموغرافية وتأثيرها على الضمان الاجتماعي
وقد أظهرت المقارنة أن قاعدة المؤمن عليهم تتركز حاليًا في الفئات العمرية الوسطى، في حين تشير التوقعات السكانية إلى ارتفاع متسارع في نسبة كبار السن بحلول عام 2050. وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على أنظمة الضمان الاجتماعي الحالية.
وذكر التقرير أن معدلات الإنجاب للمرأة في سن الإنجاب شهدت انخفاضًا مستمرًا، مما سيؤدي إلى انخفاض عدد السكان في سن العمل مستقبلًا وبالتالي انخفاض الداخلين إلى سوق العمل.
أما على صعيد متوسط العمر المتوقع، فقد سجل ارتفاعًا ملحوظًا، مما يعني ازدياد فترة الاستفادة من المنافع التقاعدية لفترات أطول. حيث بين المنتدى أنه وفي حال عدم مواءمة معايير النظام التقاعدي مع هذه التحولات الديموغرافية، فقد ينعكس ذلك تدريجيًا بشكل سلبي على مستويات الإنفاق التقاعدي في المدى الطويل.
أداء الاقتصاد وسوق العمل وتأثيرهما على النظام
وبالنسبة لمحور أداء الاقتصاد وسوق العمل، أشار المنتدى إلى أن ارتفاع مستويات التشغيل يسهم في زيادة إيرادات الاشتراكات. بينما تؤدي البطالة المرتفعة إلى إضعاف تدفقات الإيرادات.
وفي السياق ذاته، بين المنتدى أن استمرار نمو الأجور يزيد من إيرادات النظام، بينما الحد من الركود في الأجور يؤثر سلبًا على قدرة نظام الضمان الاجتماعي مستقبلاً.
وفيما يتعلق بالإنتاجية والنمو، أكد المنتدى أن معدلات النمو الاقتصادي في الأردن خلال السنوات الأخيرة كانت ضمن مستويات متواضعة، مما انعكس بدوره على نمو إيرادات النظام بوتيرة محدودة.
التحديات الهيكلية في سوق العمل ومشاركة المرأة
وحول محرك هيكل سوق العمل، أوضح المنتدى أن المستويات المرتفعة من العمل غير المنظم تؤدي إلى خفض الاشتراكات وإضعاف إيرادات الضمان. مشيرًا إلى أن توسيع نطاق التنظيم يسهم في تعزيز الاستدامة.
ووفق تقديرات منتدى الاستراتيجيات الأردني، يبلغ حجم العمالة غير المنظمة نحو 1.3 مليون فرد، مما يعكس اتساع نطاق النشاط الاقتصادي خارج الأطر التنظيمية والضريبية.
وفيما يخص مشاركة المرأة في القوى العاملة، أشار تقرير المنتدى إلى أن معدل المشاركة الاقتصادية للمرأة لا يزال متدنيًا، مما يحد من إمكانات التوسع في قاعدة المنتسبين في الضمان الاجتماعي.
استراتيجيات لتحقيق الاستدامة في الضمان الاجتماعي
كما نوه المنتدى إلى أن التشغيل الهش أو المتقطع يقلل من تدفقات الاشتراكات المنتظمة. ويعقد توقعات الإيرادات طويلة الأجل. مشيرًا إلى أن عدد الذين تركوا العمل قد ارتفع بشكل سنوي.
أما ضمن محرك تصميم النظام ومعايير الانتفاع، فقد ذكر المنتدى بأن نسب الاشتراكات المرتفعة قد تثبط التشغيل المنظم إذا كانت مفرطة الارتفاع. مشددًا على ضرورة تحقيق توازن محسوب بين الجانبين لتحقيق الاستدامة.
وبين المنتدى أن معدل المشتركين الفعّالين لكل متقاعد يُعد من المؤشرات الأساسية لقياس التوازن المالي في الأنظمة التقاعدية القائمة على الاشتراكات. حيث تشير تحليلات المنتدى إلى أن هذا المؤشر آخذٌ بالانخفاض.
نظرة مستقبلية على عوائد الاستثمار
أما بالنسبة لسن التقاعد، فقد أوضح المنتدى أن تعديل سن التقاعد يؤثر في الإيرادات والنفقات معًا. حيث يمدد فترات الاشتراك ويقلل مدة صرف المنافع. وفي المجتمعات المتقدمة، تُعد التعديلات التدريجية والمتوقعة في سن التقاعد أداة سياسات شائعة.
في هذا السياق، أجرى المنتدى مقارنة ما بين مستوى الاشتراكات المدفوعة والمنافع المكتسبة بعد التقاعد، مما يسلط الضوء على أهمية تحقيق التوازن بين معايير الاشتراك والاستحقاق.
كما تُظهر البيانات أن سن التقاعد في العديد من الدول يتراوح بين 62-67 عامًا لكلا الجنسين، بينما يبلغ في الأردن 60 عامًا للذكور و55 عامًا للإناث.
الخلاصة والتوصيات
وفيما يتعلق بمحور عوائد الاستثمار، أوضح المنتدى أن متوسط العائد على أصول الاستثمار خلال العامين الماضيين كان ضمن مستويات معتدلة، مما يدعم المركز المالي للنظام. إلا أن هيكل المحفظة الاستثمارية يحد من تحقيق عوائد أعلى على المدى الطويل.
وأكد المنتدى على أهمية تحقيق توازن بين اعتبارات العائد والمخاطر والسيولة. بما يضمن تنمية موجودات الصندوق وتعزيز قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
كما استعرض التقرير مكونات محركي الإدارة الرشيدة والحوكمة والعوامل السياسية والاجتماعية، حيث أكدت كفاءة تحصيل الاشتراكات كعامل حاسم في استدامة أي نظام تأميني قائم على الاشتراكات.

