تُعيد الحرب الدائرة على ايران صياغة المشهد الاقتصادي في المنطقة بما يتجاوز تقلبات اسعار النفط. لتفرض نمطا من "اقتصاد التوقعات" الذي يسبق الارقام الرسمية ويؤثر فيها.
وتُظهر التغطيات والتقارير الصحفية كيف انتقلت المخاطر سريعا من الجبهة العسكرية إلى اسواق الطاقة والشحن والتأمين. إذ ارتفعت اسعار النفط واقساط التأمين البحري مع تصاعد احتمالات اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وفي هذه البيئة يتحول القلق الجيوسياسي إلى سلوك اقتصادي ملموس. إذ تميل الأسر إلى الادخار الوقائي. وتلجأ الشركات إلى التسعير الاستباقي. بينما تراقب المصارف السيولة وسلوك الودائع. في وقت تشير فيه دراسات صندوق النقد الدولي إلى ان ارتفاع عدم اليقين يرفع الادخار الخاص ويضغط على الاستهلاك والاستثمار حتى قبل وقوع صدمة مادية مباشرة.
من خطر الحرب إلى سلوك السوق المالي
رفعت الحرب على ايران علاوة المخاطر الجيوسياسية. ثم نقلتها الاسواق إلى اسعار الطاقة والشحن والتأمين. ومن ثم تعيد الأسر ترجمتها إلى قرارات يومية.
وتعكس تحركات اسواق الطاقة حجم القلق المتصاعد؛ إذ ارتفع خام برنت بنحو 17% ليصل إلى نحو 83.8 دولارا للبرميل. فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 77 دولارا. واتسع الفارق بين الخامين إلى نحو 8 دولارات. وهو اعلى مستوى منذ نوفمبر. في إشارة إلى تسعير الأسواق لمخاطر الإمداد واضطراب مسارات الشحن في الخليج.
وفي الوقت نفسه ارتفعت عقود الديزل الأمريكية بنحو 14% وقفزت عقود البنزين بنحو 5%. فيما صعدت اسعار الغاز في اوروبا وآسيا. مما يعكس انتقال صدمة الطاقة سريعا عبر سلاسل الإمداد قبل ان تظهر آثارها على اسعار التجزئة.
مضيق هرمز مولّد القلق الاقتصادي
وتُكثّف الحرب على ايران حساسية الاقتصاد العالمي تجاه مضيق هرمز. لأن الاسواق العالمية لا تنتظر الإغلاق الكامل كي تعيد التسعير. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى ان تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا. بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. كما ان نحو 30% من النفط الخام المنقول بحرا يمر عبر المضيق. وهو ما يعني ان أي تهديد للممر يرفع علاوة المخاطر فورا.
وتعد هذه الأرقام مثل "محرّك نفسي" للسوق. لأنها تُحوّل خبر الحرب إلى احتمال اقتصادي قابل للترجمة. من حيث ارتفاع كلفة التأمين وكلفة الشحن. وتوسّع فروقات الأسعار. ثم انتقال اثر ذلك إلى المستهلك.
وترفع الحرب على ايران الكلفة في نقطة شديدة الحساسية عادة ما تبقى خلف الكواليس. وهي سوق التأمين وإعادة التأمين في النقل البحري. وتشير تقارير منشورة إلى ان لجنة الحرب المشتركة في سوق لندن، وهي هيئة تضم ممثلين عن شركات التأمين البحري في سوق لويدز وتختص بتحديد المناطق المصنفة عالية المخاطر للسفن، وسّعت نطاق "المناطق عالية المخاطر" في الخليج لتشمل مياها قريبة من دول في المنطقة مع تصاعد الحرب.
التأمين البحري إضافة الخوف إلى الفاتورة
وقد دفع هذا التصنيف شركات التأمين إلى رفع اقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن إلى نحو خمسة اضعاف. وهو ما يرفع كلفة تشغيل الناقلات ويضيف ضغوطا اضافية على سلاسل الإمداد العالمية للسلع والطاقة.
وتذكر وكالة رويترز ان الحرب عطلت الشحن عالميا. وتركت ناقلات عالقة او متضررة. ودفعت اسعار الشحن بين الشرق الاوسط والصين إلى مستوى مرتفع هو الأعلى في اكثر من ست سنوات. مما يجعل فاتورة النقل وحدها عملا محفزا للتضخم.
وتكشف رويترز ايضا ان امريكا درست مقترحا لتقديم دعم لتأمين ناقلات النفط وتسهيل شحنات الخام من الشرق الاوسط. وهو مؤشر على ان مشكلة التأمين لم تعد هامشية. بل أصبحت عقدة تشغيلية تهدد التدفقات.
الذهب والدولار التحوط يسبق الاستهلاك
ويدفع اتساع الحرب على ايران الأفراد إلى البحث عن "أصول يقينة" عندما تتراجع قابلية التنبؤ في الاسواق. فقد تجاوز سعر الذهب مستوى 5,500 دولار للأونصة محققا مكاسب تفوق 20% منذ بداية العام. في ظل تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بايران وتراجع الدولار.
كما ان اسعار الذهب تضاعفت اربع مرات في العقد الأخير. مدفوعة بتزايد عدم اليقين العالمي والتوترات الجيوسياسية التي تعزز الطلب الاستثماري على المعدن.
ويترجم هذا التحول نفسيا واقتصاديا عندما يدفع الأسر إلى تحويل جزء من مدخراتها نحو الذهب او العملات الصعبة بدل انفاقها على السلع المعمرة. مما يضغط على الطلب المحلي ويعيد توجيه السيولة من "اقتصاد السلع والخدمات" إلى "اقتصاد التحوّط".
الادخار الوقائي حين ينسحب الطلب بهدوء
ويُنتج الخوف الجيوسياسي سلوكا تقليديا في الاقتصاد السلوكي معروفا بالادخار الوقائي. وتُظهر ورقة لصندوق النقد الدولي ان ارتفاع عدم اليقين الماكرو اقتصادي يدفع القطاع الخاص إلى زيادة الادخار بصفته "وسادة ضد الصدمات". وهو ما ينعكس عادة على الحساب الجاري ويضغط على الطلب الداخلي.
وتُحلل مادة اخرى لصندوق النقد آثار عدم اليقين على اقتصادات الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وتربط ارتفاعه بانخفاض الاستثمار والاستهلاك عبر قناة الثقة وتراجع القدرة على التخطيط.
ويأخذ هذا السلوك شكلين متزامنين في زمن حرب ايران: يدفع الأسر إلى تأجيل قرارات شراء كبيرة مثل السيارات والاجهزة والعقارات. ويدفعها ايضا إلى رفع السيولة المتاحة او تحويلها إلى اصول "أكثر أمانا".
الأساسيات تتقدم والمعمّر يتراجع
ويُعيد القلق الناتج عن الحرب على ايران ترتيب اولويات الانفاق. ويُسرّع الأفراد شراء السلع الأساسية عندما يخشون ارتفاع اسعارها او نقصا مؤقتا فيها. بينما يؤجلون السلع المعمرة لأنهم يعتبرونها اقل إلحاحا وأكثر ارتباطا بمستقبل دخل غير مضمون.
ويخلق هذا التحول نتيجتين اقتصاديتين متناقضتين ظاهريا لكنهما متسقتان سلوكيا: يرفع الطلب القصير الأجل على الاساسيات ويضغط على الأسعار المحلية سريعا. يُضعف الطلب على المعمّر ويخفض نمو قطاعات التجارة المعمرة والخدمات المرتبطة بها.
ويُعطي هذا التبدّل للسياسات العامة إشارة مبكرة. حيث لا يتحرك الاقتصاد فقط عبر الصدمات المادية. بل يتحرك عبر "توقعات الناس" قبل كل شيء.
القلق يضغط على العملة
ويدفع الخوف في فترات الحروب الأفراد إلى التحوّط بالعملة الصعبة عندما يشكّكون في استقرار العملة المحلية او يخشون تسارع التضخم. ويخلق هذا المسار ضغطا اضافيا على سوق الصرف. خصوصا في الاقتصادات التي تعاني اصلا من هشاشة ميزان المدفوعات او محدودية الاحتياطيات.
وتعمل الدولرة غير الرسمية كإشارة إنذار لأنها تُضعف فعالية السياسة النقدية وتزيد حساسية الأسعار لتقلبات العملة.
وتتضاعف المشكلة عندما تُغذّي قناة الطاقة هذه الضغوط؛ إذ ترفع صدمات النفط والغاز كلفة الواردات. ثم تُحوّلها إلى تضخم مستورد. ثم تدفع الأفراد إلى مزيد من التحوط بالدولار. فتتسع الحلقة.
التضخم هل يتحول القلق الى عامل ذاتي؟
ويرفع القلق الاقتصادي احتمال تحوّل التضخم إلى ظاهرة "مدفوعة بالتوقعات" لا بالعرض فقط. وتُقدّم تحذيرات صناع السياسات في اوروبا مثالا واضحا. فقد نقلت رويترز عن كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي ان حربا طويلة مرتبطة بإيران قد ترفع التضخم وتخفض النمو. وان صدمة دائمة في اسعار النفط قد ترفع التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية وتخفض النمو بنحو 0.1 نقطة مئوية وفق تقديرات في تقارير سابقة للبنك.
وينتقل هذا الأثر إلى اقتصادات المنطقة عبر مسارين رئيسيين: يرفع تضخم الطاقة كلفة النقل والإنتاج ويضغط على الأسعار النهائية. يدفع توقع ارتفاع الأسعار الأفراد إلى شراء مبكر للسلع الأساسية. فيضيف ضغطا على الأسعار من جانب الطلب.
ويجعل هذا القلق التضخم اشد عنادا. لأن السوق لا تنتظر وقوع الصدمة كي تتصرف. بل تتصرف لأن الصدمة "ممكنة".
المصارف والسيولة اين تظهر الاشارات اولا؟
تتلقى المصارف الإشارات مبكرا عندما يزداد تحويل الودائع إلى عملة صعبة او ترتفع السحوبات النقدية او تتغير آجال الادخار. وتدفع هذه المؤشرات السلطات النقدية إلى تشديد التواصل وإظهار الجاهزية عبر ادوات السيولة وخطوط التمويل الطارئ. لأن إدارة التوقعات تصبح هنا سياسة اقتصادية بحد ذاتها.
وتبرز أهمية هذه النقطة بعد ان رفعت الحرب على ايران وتيرة الشائعات المالية عبر المنصات الرقمية. وزادت حساسية الجمهور لأي خبر عن الشحن او الوقود او العملة. وسرعت قرارات التحوط الفردية.
منصات التواصل الاخبار تسرع دورة الخوف
وتُسرّع البيئة الرقمية انتقال القلق من السياسة إلى الاقتصاد. لأنها تُعيد تدوير الأخبار والسيناريوهات بشكل لحظي. وتُضخم الرسائل السلبية. وتُنتج سلوك "العدوى التوقعية".
وتدفع هذه الآلية الأفراد إلى اتخاذ قرارات مالية دفاعية متزامنة. فتتحول من قرارات فردية إلى موجة تؤثر على السوق.
وهكذا لا تنتقل آثار الحروب إلى الاقتصاد عبر النفط والممرات البحرية فقط. بل عبر التوقعات وسلوك الناس ايضا. إذ يبدأ اثر الصدمة في العقول قبل ان يظهر في الأرقام.

